الراغب الأصفهاني

143

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ومنهم من اتضع حاله حتى صار في أفق البهائم ، فلو تصورنا كلبا أو حمارا منتصب القامة متكلما لكان هو إياه ، لانسلاخه من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية ، وعلى هذا قوله تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ « 1 » . ومنهم من هو في أواسط هذين ، في درجة من درجات لها كثيرة ، ولهذا صح أن يقال : فلان أكثر إنسانيّة من فلان . وما يختص به لفظ الإنسانية فهو الأفعال والأخلاق المحمودة ، وأما المذمومات من الأخلاق فتشارك الإنسان فيها البهائم والشياطين . وأما المروءة فلها اشتقاقات : ففي أحدهما يقتضي أن تكون هي والإنسانية متقاربتين ، وهو أن يجعل من قولهم تمرأ الطعام ، وأمرأه إذا تخصص المرىء لموافقته الطبع ، وكأنها اسم للأخلاق والأفعال التي تقبلها النفوس السليمة فعلى هذا تكون اسما للأفعال المستحسنة كالإنسانية « 2 » . والثاني أن تكون من المرء فتجعل اسما للمحاسن التي يختص بها الرجل دون المرأة فتكون كالرجولية ، وذلك أخص من الإنسانية ، إذ الإنسانية يشترك فيها الرجال والنساء ، والمروءة أخص ، فكثير مما يكون فضيلة للمرأة يكون رذيلة للرجل ، كالبله والخفر والبخل والجبن . ولهذا قيل أفضل أخلاق الرجال أرذل أخلاق النساء . فالكيس والشجاعة والجود رذيلة لهن « 3 » .

--> ( 1 ) الأعراف / 179 . ( 2 ) المروءة : آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق ، وجميل العادات وهي كمال الرجولية . المعجم الوسيط / 2 / 867 . وانظر / مفردات القرآن للراغب الأصفهاني / 708 . ( 3 ) لعل الراغب الأصفهاني هنا ينقل معنى للإمام علي ، جاء في نهج البلاغة / 396 -