الراغب الأصفهاني

142

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ما يتولد من الفضائل النفسية أمهات الفضائل النفسية وإن كن أربعا ، فلها بنات هن أمهات لفضائل أخر . وبيان ذلك أن العقل متى تقوى تولد من حسن نظره جودة الفكر ، وجودة الذكر ومن حسن فعله الفطنة وجزالة الرأي ، وتولد من اجتماع أربعتها جودة الفهم ، وجودة الحفظ . والشجاعة متى تقوت تولد منها الجود في حال النعمة ، والصبر في حال المحنة ، والصبر يزيل الجزع ويورث الشهامة المختصة بالرجولية ، كما قيل . خلقنا رجالا للتجلد والأسى * وتلك الغواني للبكا والمآتم والعفة إذا تقوت ولدت القناعة ، والقناعة تمنع عن الطمع في مال الغير فتولد الأمانة . « 1 » والعدالة إذا تقوت تولد الرحمة ، والرحمة هي الإشفاق من أن يفوت ذا حق حقه ، فهي تولد الحلم ، والحلم يقتضي العفو ، والإنسانية والكرم يجمعان هذه الفضائل ، وذلك أن الإنسانية هي الفضائل النفسية المختصة بالإنسان ، وبقدر ما يكتسبه الإنسان يستحقها ، وفيها تفاضل كثير « 2 » كما تقدم في الفرق ما بين الإنسان والإنسان ، فمنهم من قد ارتفع حتى لحق أفق الملك ، فلو تصورنا ملكا جسميا لكان هو إياه ، لارتفاعه عن الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية ، وعلى هذا قوله تعالى : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ « 3 » .

--> ( 1 ) في ط ، مال غيره « و » فولدت « بالماضي » ولا أري مرجعا للضمير في غيره ، كما لا حاجة إلى عطف الماضي على المضارع والحديث فيه معنى المستقبل . ( 2 ) في ط تفاصيل كثيرة ، والصواب ما في أ ، د . ( 3 ) يوسف / 31 .