الراغب الأصفهاني
130
الذريعة إلى مكارم الشريعة
فالمؤثرة لذاتها السعادة الأخروية والنفسية . والمؤثرة لغيرها الدراهم والدنانير ، فإنا لو تصورنا ارتفاع الضرورات التي تستدفع بها لكانت هي والحصباء سواء . والمؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها كصحة الجسم ، فمعلوم أن الرجل وإن أريدت للمشي « 1 » فالإنسان يريد أن يكون صحيح الرجل وإن استغنى عن المشي ، ويقال أيضا الخيرات ثلاث : نافع ، وجميل ، ولذيذ ، والشرور ثلاث : ضار ، وقبيح ، ومؤلم . وكل واحد من ذلك ضربان : أحدهما مطلق وهو الذي يجمع الأوصاف الثلاثة في الخير كالحكمة فإنها نافعة ، وجميلة ، ولذيذة . وفي الشر كالجهل فإنه ضار وقبيح ومؤلم . والثاني مقيد وهو الذي جمع شيئا من أوصاف الخيرات ، وشيئا من أوصاف الشرور فربّ نافع مؤلم كجدع قصير أنفه « 2 » ، فإنه وإن نفعه في إدراك الثأر فقد آذاه . ورب نافع قبيح كالحمق ، فإنه وإن نفع من حيث ما قيل : استراح من لا عقل له . فهو جد قبيح . وربّ نافع من وجه ضار من وجه ، كمن في سفينة فخاف الغرق فألقى متاعه في الماء ، فخلصت السفينة . وكل ما نفعه ، وجماله ، ولذته أطول مدة وأعم فائدة « 3 » ، فهو أفضل . فحق على العاقل أن يرغب إلى اللّه في أن يعطيه ما فيه مصلحته مما لا سبيل له بنفسه إلى اكتسابه ، وأن يبذل جهده مستعينا باللّه في اكتساب ما له
--> ( 1 ) في ط « وإن أزيلت للمشي » والصواب أريدت ، وقد صور الخطأ مرات ومرات . ( 2 ) في المثل « لأمر ما جدع قصير أنفه » يضرب للشيء يكون وسيلة لأمر مستور المعجم الوسيط / 1 / 110 . ( 3 ) « وأغمر عائدة » في ط . وأعمر عائده في أ ، والصواب ما نقلناه من د .