الراغب الأصفهاني
131
الذريعة إلى مكارم الشريعة
كسبه ، وبلوغ الأعلى فالأعلى منه على الترتيب ، فبذلك يشرف ، ومن ضيّع أنفس المقتنيات مع التمكن من تحصيله فهو دنى الهمة ، راض بخسيس الحال . وأشرفها ما إذا حصل لم يغضب ولم يحتج في حفظه إلى أعوان وكان نافعا عاجلا وآجلا ومطلقا في كل حال ، وكل زمان ، وكل مكان ، وذلك هو الفضائل النفسية ولا سيما العقل والعلم . فأما القنيات الخارجية نحو المال والجاه فإنها يقال لها الخيرات المتوسطة ، لأنها تنجذب إلى الفضيلة مرة وإلى الرذيلة مرة ( و ) لأنها سبب للخيرات إذا كانت مع العقل ، وسبب الشرور إذا كانت مع الجهل ، وقد نبّه اللّه تعالى على كون ذلك سببا للشر بقوله : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ « 1 » ، وبقوله : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا « 2 » ولذلك قيل : السعيد هو الخيّر العاقل غنيا كان أو فقيرا ، قويا كان أو ضعيفا . فإن قيل : ما الخير والسعادة والفضيلة والنافع ؟ وهل بينها فرق « 3 » ؟ قيل : أما الخير المطلق فهو المختار من أجل نفسه ، والمختار غيره لأجله ، وهو الذي يتشوقه كل عاقل ، بل قد قيل : هو الذي يتشوقه الكل بلا مثنوية ، فإن الكل يطلب في الحقيقة الخير وإن كان قد يعتقد في الشر أنه خير فيختاره . فمقصده الخير ويضاده الشر وهو المجتوى « 4 » من أجل نفسه ، والمجتوى غيره من أجله .
--> ( 1 ) التغابن / 15 . ( 2 ) التوبة / 85 . ( 3 ) في ط « وهل بينهن » وفي أ « وهل بينهما » والصواب ما جاء في د « بينها » . ( 4 ) في ط « المحبوب » والمعنى يضاد هذا ، والمجتوى : المكروه . والشر مكروه .