الراغب الأصفهاني

129

الذريعة إلى مكارم الشريعة

واعلم أن الفضيلة الكاملة والسعادة الحقيقية هي الخيرات الأخروية وما عداها فتسميته بذلك إما لكونه معاونا في بلوغ ذلك ، أو نافعا فيه . فكل ما أعان على خير وسعادة فهو خير وسعادة . وهذه الأشياء التي هي معينة ونافعة في بلوغ السعادة الأخروية متفاوتة الأحوال ؛ فمنها ما هو نافع في جميع الأحوال ، وعلى كل وجه . ومنها ما هو نافع في حال دون حال ، وعلى وجه دون وجه ، وربما يكون ضره أكثر من نفعه . فحق الإنسان أن يعرفها بحقائقها حتى لا يقع الخطأ عليه في اختياره الوضيع على الرفيع ، وتقديمه الخسيس على النفيس . والناس في تحري ذلك قسمان « 1 » : طالب خير ، وهارب من شر . كما قيل : كل يحاول حيلة يرجو بها * دفع المضرة واجتلاب المنفعة والمرء يغلط في تصرف حاله * فلربما اختار العناء على الدعة لكن قد يحسب الشحم فيمن شحمه ورم ، ويقدر في الشيء أنه رزق نافع وحشوه سم ناقع « 2 » ، ولذلك يحق على العاقل أن يجلي بصيرته ، ويعرف من كل ما يطلب حقيقته لئلا يكون كمن أراد حبلا يتنطق به ، فرأى حيّة فظنها مبتغاه ، فأخذها فلدغته . وقد قسمت الخيرات على وجه آخر فقيل : الخيرات ثلاث : مؤثرة لذاتها ، ومؤثرة لغيرها ، ومؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها .

--> ( 1 ) في ط ، د « والناس في متحرياتها طالب لخير . . . » ولعل التقسيم هنا أوضح . ( 2 ) « وحشوه كسم ناقع » ساقطة من أ .