الراغب الأصفهاني
106
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الفرق بين ما يسومه العقل وبين ما يسومه الهوى : « 1 » من شأن العقل أن يرى ويختار أبدا الأفضل والأصلح في العواقب ، وإن كان على النفس في المبدأ مؤنة ومشقة . والهوى على الضد من ذلك فإنه يؤثر ما يدفع به المؤذي في الوقت وإن كان يعقب مضرة من غير نظر منه في العواقب كالصبي الرمد الذي يؤثر أكل الحلاوات واللعب في الشمس على أكل الإهليلج « 2 » والحجامة ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « حفت الجنّة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » « 3 » . وأيضا فإن العقل يرى صاحبه ما له وما عليه ، والهوى يرى صاحبه ما له دون ما عليه « 4 » ، ويعمى عليه ما يعقبه من المكروه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسّلام « حبّك الشيء يعمي ويصم « 5 » » ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدا في الأشياء التي هي له لا عليه ، ويظن أنه هوى لا عقل ، ويلزمه أن يستقصي النظر فيه « 6 » قبل إمضاء العزيمة ، وحتى قيل : إذا عرض لك أمران فلم تدر أيّهما أصوب فعليك بما تكرهه لا بما تهواه . فأكثر الخير في
--> ( 1 ) د في بيان ، أما ط ففيها « وبين ما يسومه » بزيادة « بين » وهي أصح لغة . ( 2 ) الإهليلج معرب اهليلة ، وهو ثمر يتخذ للعقاقير . [ معجم متن اللغة / هلج ] . ( 3 ) رواه مسلم عن أنس بن مالك / صحيح مسلم / كتاب الجنة / حديث / 2822 . ( 4 ) في أ ، د اضطراب في اللفظ والأصح ما في ط . ( 5 ) رواه أبو داود عن أبي الدرداء مرفوعا ، بإسناد ضعيف لأن فيه ابن مريم ، وإن قال العراقي إن ابن مريم لم يتهمه أحد بالكذب ، وقد قال الصفانى إنه موضوع ، لكن العراقي والحافظ ابن حجر قالا : يكفينا سكوت داود عليه ، فليس بموضوع ولا شديد الضعف . فهو حسن . كشف الخفاء / 1 / 342 ، وتخريجات الإحياء / أحمد / 5 / 194 . أبو داود / 130 . ( 6 ) في ط أنه هوى لا عقل ويلومه وينبغي أن يستفتى ، ولعل الناسخ قرأ ويلزمه ويلومه ، وقرأ يستقصى ، يستفتى ، لكنا أخذنا بما في أ ، د لرجحانهما عندنا .