الراغب الأصفهاني
100
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وأجدر بصحة قوله تعالى ، فإن الماء المنزل من السماء المختص بالطهارة لذي لا يسد غيره من المياه مسدّه هو هذا الماء أعني كلام رب العزة . فأما المختص بطهارة البدن فقد يسد غيره مسده في الطهارة لأن الذي ينبع من الأرض يعمل عمله . والذي يلزم تطهيره من النفس هو القوى الثلاث : قوة الفكر بتهذيبها حتى تحصل الحكمة والعلم ، وقوة الشهوة بقمعها حتى تحصل العفة والجود ، وقوة الحمية بإسلاسها « 1 » حتى تنقاد للعقل فتحصل الشجاعة والحلم . ويتولد من اجتماع ذلك العدالة . فجميع الرذائل تنبعث من فساد هذه القوى الثلاث : أما فساد الفكرة فيتولد منه الجزيرة « 2 » والبله ، وأما فساد القوة الشهوية فيتولد منه الشره أو خمود الشهوة ، وأما فساد الحمية فيتولد منه التهور أو الجبن « 3 » ، ومن حصول هذه الأشياء أو حصول بعضها يحصل إما الظلم وإما الانظلام . فجميع أصول الفضائل الخلقية أربعة ، وجميع « 4 » الرذائل الخلقية ثمانية « 5 » . .
--> ( 1 ) في ط باستيلائها ولكن إسلاس الحمية وتطويعها هو المعنى . ( 2 ) الجربز / الخب الخبيث ، والمصدر جربزة ، ترتيب القاموس المحيط مادة جربز . ( 3 ) في ط ، د تقديم وتأخير في العبارة ففيهما أما من فساد كذا فيحصل كذا ولا ضير . ( 4 ) في ط ، د رؤوس الفضائل ، وأصول أوفق لمناسبتها للفروع التي تؤخذ منها في بابها ( 5 ) وضح هنا اعتماد الراغب الأصفهاني لمعنى الفضيلة على أنها وسط بين رذيلتين كما أخذ بذلك ابن مسكويه عن اليونان ، وقد تأثر بهذه الوسطية كثير من العلماء المسلمين كالجاحظ ، وابن سينا ، والغزالي ، والحقيقة أن النصوص التي أوهمتهم صحة هذا المعنى يمكن أن تفهم على وجه آخر يتناسب مع معنى الوسط في الإسلام ، فيختلف عن الوسط الأرسطي ، وللعلماء في هذا كلام يستوفي من مظانه . انظر / ابن مسكويه / تهذيب الأخلاق / 29 ، وأحمد عبد الرحمن ( د ) الفضائل الخلقية في الإسلام / 288 - 306 .