الراغب الأصفهاني
101
الذريعة إلى مكارم الشريعة
بيان منازعة الهوى للعقل « 1 » اعلم أن مثل نفس الإنسان « 2 » في بدنه كمثل وال في بلده ، وقواه وجوارحه بمنزلة صناع وعملة ، والعقل له كمشير ناصح عالم ، والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة ، والحمية له كصاحب شرطة ، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للوالي بصورة الناصح وفي نصحه ذنب العقرب ، ويعارض الوزير في تدبيره ، ولا يغفل ساعة عن منازعته ومعارضته ، وكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته وزيره دون هذا العبد الخبيث ، وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرا لوزيره ، وسلطه على هذا العبد وأتباعه حتى يكون هذا العبد مسوسا لا سائسا ، ومدبّرا لا مدبّرا استقام أمر بلده ، فكذلك النفس أيضا متى استعانت بالعقل في التدبير ، وأدبت الحمية وسلطتها « 3 » على الشهوة وقواها استتب أمرها وإلا فسدت ، ولهذا حذرنا اللّه تعالى غاية الحذر من اتباع الهوى فقال : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 4 » ، وقال في ذم من اتبعه : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ « 5 » ، وقال تعالى : أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ « 6 » ، وقال في مدح من عصاه : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
--> ( 1 ) في ط « بيان ملازمة الهوى للعقل » ، والمحتوى الذي يدل عليه المبحث يثبت أنها منازعة ، ومن عجب أنها تذكر في ط هنا وعند تعداد الأبواب في المقدمة . ( 2 ) هذه ساقطة من ط ، والمعنى يقتضيها كما سيأتي في تفصيل المبحث . ( 3 ) في أسلطتها أي الحمية ، ونستصوب ما ذكرنا لأن الحمية تنوب عن العقل في مدافعة الشهوة كما سيجيء . ( 4 ) ص / 26 . ( 5 ) الجاثية / 23 . ( 6 ) الأعراف / 176 .