الراغب الأصفهاني
89
الذريعة إلى مكارم الشريعة
كون الإنسان بين البهيمة والملك « 1 » الإنسان لما ركب تركيبا بين بهيمة وملك - فشبه بالبهيمة بما فيه « 2 » من الشهوات البدنية ، من المآكل والمشارب والمناكح ، وشبهه بالملك بما فيه من القوى الروحانية من الحكمة والعدالة والجود - صار واسطة بين جوهرين : وضيع ورفيع « 3 » ولهذا قال تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « 4 » ، فالنجدان من وجه العقل والهوى ، ومن وجه الآخرة والدنيا ، ومن وجه الإيمان والكفر ، ومن وجه الهدى والضلال ، ومن وجه موالاة اللّه تعالى وموالاة الشيطان المذكورتان في قوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ « 5 » . ومن وجه النور والظلمة المذكورتان في هذه الآية ، أي الفضيلة والنقيصة ، أو من وجه الحياة والموت المذكوران في قوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ « 6 » فمن وفقه اللّه للهدى ، وأعطاه قوى لبلوغ المدى فراعى نفسه وزكاها ، فقد أفلح ومن حرم التوفيق فأهمل نفسه ودسّاها فقد خاب وخسر ، كما قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ
--> ( 1 ) في د ، ط في كون . ( 2 ) في ط ، د للبهائم ، وبالبهيمة أصح لأسلوب التشبيه حيث يشبه كذا بكذا ، وأما جمع البهيمة فلا داعي له لسبق ذكرها مفردة . ، وفي د ، ط شبهه للملك والأولى ما ذكرنا . ( 3 ) في د شريف ووضيع والمعنى واحد . ( 4 ) البلد / 10 ( 5 ) البقرة / 257 ( 6 ) الأنعام / 122 .