عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
77
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
الباب الثاني والعشرون في إيداع الأمانة إذا استودعك شخص أمانة فلا تقبلها بأي حال ، وإذا قبلتها فاحفظها لأن قبول الأمانة قبول للبلاء ، من أجل أن عاقبة ذلك لا تخرج عن ثلاثة أشياء حتى ترد إليه هذه الأمانة ، كما أن الله عز وعلا يقول في محكم تنزيله : أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ( النساء : 58 ) . إذ إن طريق المروءة والإنسانية والشهامة هي أن لا تقبل الأمانة ، وإذا قبلتها تحافظ عليها وتعيدها إلى صاحبها سالمة . حكاية [ رقم 1 ] سمعت أن رجلا خرج من بيته في الظلام وقت السحر ليذهب إلى الحمام ، ورأى في الطريق صديقا من أصدقائه ، فقال : أتوافقنى على أن نذهب معا إلى الحمام ؟ فقال صديقه أرافقك حتى باب الحمام ، ولكن لا أستطيع دخول الحمام لأن عندي عملا ، وسار معه إلى قرب الحمام فوصلا إلى مفترق « 1 » طريقين ، وعاد قبل أن يخبر ذلك الصديق ، وسار في طريق آخر ، وكان طرار « 2 » يغدو اتفاقا وراء هذا الرجل ليذهب إلى الحمام للنشل ، والتفت هذا الرجل قضاء فرأى الطرار وكانت الدنيا ما تزال مظلمة فظن أنه صديقه ، وكان معه في كمه مائة دينار مصرورة في منديل ، فأخرجها من كمه وأعطاها لذلك الطرار وقال : أي أخي ، خذ هذه الأمانة حتى أخرج من الحمام فتردها إلىّ ، فأخذ الطرار منه المال وأقام هنالك إلى أن خرج من الحمام ، وكانت الدنيا قد أضاءت ، فارتدى ثيابه وذهب ، فناداه الطرار وقال : أيها الفتى استرد مالك وامض ، فإني قد تخلفت اليوم عن شغلى بسبب أمانتك ، فقال : ما هذه الأمانة ؟ ومن أنت ؟ فقال الطرار : أنا طرار ، وأنت أعطيتني هذا الذهب حتى تخرج من الحمام ، فقال الرجل : إذا كنت طرارا فلم لم تسلبه منى ؟ فقال الطرار : لو كنت سلبت هذا بصناعتى لأخذته ولو كان ألف دينار ولما كنت أرد منه شعيرة ، ولكنك سلمته لي واستودعته مستأمنا ، وليس من المروءة أن أخونك وقد جئت مستأمنا . وبعد فإني ذكرت هذا لك لترى أن طرارا يرعى حرمة الأمانة هكذا ، فتعلم أن قبول الأمانة أمر
--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : رأس . ( 2 ) نشال .