عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
35
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
بقي في هذه الفجوة سبعة أيام بلياليها ، وفي اليوم الأول أخبروا المتوكل أن الفتح قد غرق ، فنزل عن التخت ، وجلس على الأرض ودعا الملاحين وقال : كل من يأتي بالفتح عندي حيا أو ميتا أعطيه ألف دينار . وأقسم الأيمان المغلظة قائلا بأنهم إذا لم يأتوا به بالحالة التي يكون عليها ولم أره فإني لن أتناول طعاما . فنزل الملاحون في دجلة وغاصوا وأخذوا يبحثون عنه ، إلى أن وصل أحد الملاحين في نهاية اليوم السابع إلى تلك الفجوة ، ورأى الفتح فابتهج وقال أذهب فأحضر السمارى « 1 » ، فذهب وجاء إلى المتوكل وقال يا أمير المؤمنين ، إذا أتيت بالفتح حيا فما ذا تعطيني ؟ قال أعطيك خمسة آلاف دينار نقدا ، فقال الملاح وجدته حيا ، وسآتى به فذهبوا بالسمارى وأتوا بالفتح حيا ، فأعطى المتوكل الملاح ما كان قد تقبله ، وقال للوزير اذهب إلى الخزانة وأعط للفقراء النصف من كل ما يكون بها ، ثم قال أحضروا الطعام ، فإنه جائع سبعة أيام بلياليها ، فقال الفتح يا أمير المؤمنين إني شبعان ، فقال المتوكل لعلك شبعان من الماء ، فقال الفتح في هذه الأيام السبعة كان يأتيني في كل يوم عشرة أرغفة موضوعة على طبق فكنت أجاهد وآخذ في كل يوم اثنين أو ثلاثة منها وأعيش بها ، وكان مكتوبا على كل رغيف : محمد بن الحسن الإسكاف . فأمر المتوكل أن اجعلوا مناديا ينادى : من الرجل الذي كان يلقى الخبز في دجلة ؟ فأتوا به وقولوا له إن أمير المؤمنين سيحسن إليك ، وفي اليوم التالي جاء رجل وقال إني أنا الذي ألقيت الخبز في دجلة ، فقال المتوكل : بأية أمارة ؟ قال بأمارة أن اسمى محمد بن الحسن الإسكاف ، كان مكتوبا على كل رغيف ، فقالوا إن هذه الأمارة صحيحة ، فمذ أي وقت تلقى بهذا الخبز في دجلة ؟ قال منذ سنة ، فقالوا وما غرضك من هذا ؟ قال كنت قد سمعت ، أن اعمل الخير وألق به في الماء فإنه يثمر يوما ما . فقال المتوكل لقد عملت ما سمعت ووجدت ثمرة ما عملت ، وملكه خمس قرى على باب بغداد ، وذهب ذلك الرجل إلى قراه ، وصار عظيما جدا ، إلى أن ذهبت في زمن القائم بأمر الله للحج ، حيث رزقني الله تعالى زيارة بيته ، فرأيت أحفاد ذلك الرجل في بغداد وسمعت هذه الحكاية من الشيوخ . فلا تتقاعس عن عمل الإحسان بقدر ما تستطيع ، وخذ نفسك بعمل الخير والإحسان إلى الناس . وإذا ظهرت بمظهر فلا تكن بخلاف ذلك ، لا تقل بلسانك غير ما تضمر ولا تضمر بقلبك غير ما تقول ؛ لكيلا تكون مرائيا مظهرا للقمح بائعا للشعير . وانصف من نفسك في كل الأمور لأن كل من ينصف من نفسه يستغنى عن الحكم ، وإن كان لك غم أو فرح فبثه من له اهتمام بغمك وفرحك ، ولا تظهر ألمك وحزنك وغمك وفرحك أمام كل إنسان ، ولا تكن سريع الابتهاج والاغتمام بكل خير وسوء ، لأن ذلك فعل الصغار . وكن على أن لا تتحول عن حالك بكل محال ، فإن أهل العقل لا يتزحزحون عن مكانهم بكل حق وباطل ، وكل سرور مآله إلى الغم لا تعده سرورا ، وكن في وقت اليأس أكثر أملا ، واعلم أن اليأس منوط بالأمل وأن الأمل في اليأس ، واعلم أن حاصل كل الأمور
--> ( 1 ) السمارى نوع من الزوارق يستخدم في دجلة .