عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

36

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

هو الارتحال عن الدنيا ، ولا تكن منكرا للحق ، وإذا ثار عليك إنسان فأطفئ ثورته بالصمت ، واعلم أن الصمت جواب الحمقى ، ولا تضيع تعب أحد قط ، واعرف كل امرئ بما هو أهله ، وخاصة من له حق قرابتك ، واحترام شيوخ قبيلتك ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( الشيخ في القبيلة كالنبي في الأمة ) . ولكن لا تكن مولعا بهم ، حتى تستطيع أن ترى عيوبهم كما ترى فضائلهم ، وإذا لم تأمن الغرباء ، فاجعل ثقتك بهم بقدر عدم أمنك منهم ، ولا تأمن غير المؤتمن في ظنك ، لأن من الجهل تناول السم بمظنة الترياق ، وانظر إلى عقل الناس وفضلهم ، فإذا رأيت أنك تستطيع الحصول على الصيت والعيش بغير عقل ولا فضل فكن بغير عقل وفضل ، وإلا فتعلم الفضل ، ولا تر العار في التعلم والاستماع لتنجو من العار ، وانظر في عيب الفضلاء وفضلهم لتعرف ما هو نفعهم وضررهم ، ومدى الربح والخسارة ، ثم التمس نفعك من بين ذلك ، وابتعد عن تلك الأشياء التي تقرب الناس من المضرة ، وعود نفسك تعلم الأدب والفضل ، وتعلم الشئ الذي لا تعرفه ، فإن سقراط يقول : لا كنز أفضل من الفضل ، ولا عزة أجل من العلم ، ولا زينة أحسن من الحياء ، ولا عدو أسوأ من الطبع السيئ . فلا تعين وقتا للتعلم ، وفي أي وقت وحال يجب أن لا تفوت منك ساعة لا تتعلم فيها علما ، وإذا لم يوجد في ذلك الوقت عالم فإنه يمكنك أن تتعلم من الجاهل ، وذلك بأنه في كل وقت تنظر إلى الجاهل ، بعين البصيرة وتوكل به بصارة العقل ، تعرف أن ما لا يعجبك منه لا ينبغي عمله كما قال الإسكندر : إنني لم ألق النفع من الأصدقاء بل لقيته على الأكثر من الأعداء ، وذلك لأنه إذا كان في أمر قبيح يستره الأصدقاء بموجب الشفقة ، حتى لا أعرفه ويجعله العدو معلوما لي بموجب ما عنده من العداوة ، فأبعد ذلك العمل السيئ عن نفسي ، فأكون قد لقيت النفع من العدو . وأنت أيضا تكون قد تعلمت ذلك العلم من الجاهل . وواجب على الناس - سواء كانوا من الأكابر أم كانوا من الأصاغر - أن يتعلموا الفضل والأدب ، لأن التفوق على الأقران يمكن نيله بالفضل والمعرفة ، عندما ترى في نفسك ميزة لا تراها في أقرانك فإنك ترى نفسك دائما أسمى منهم ، ويراك الناس أيضا أفضل من أقرانك بقدر فضلك وعرفانك ، وعندما يرى الرجل العاقل أنهم يعظمونه ، فإنه يجتهد حتى يكون أفضل وأكثر معرفة ، وإذا فعل الناس هكذا ، فإنه لا يمضى كثير حتى يصير أعظم من كل إنسان ، وطلب العلم هو طلب الرفعة على الأصحاب والنظراء ، والكف عن الفضل دليل الرضا بالجهل والانحطاط ، وتعلم الفضل وإنهاك الجسم نافع جدا ، فقد قيل : الكسل فساد البدن . وإذا لم يطع الجسد فإنك لا تستريح جيدا ؛ لأن جسمك لا يطيعك من الكسل وحب الراحة بسبب أنه ليس لجسدنا تحرك طبعى ، وكل حركة يعملها الجسم إنما يعملها بالأمر لا بالرغبة ، وما لم ترد أنت وتأمر فإنه لا يكون للجسد رغبة في العمل قط ، فطوع جسدك بالعسف ، ورده إلى الطاعة بالقهر ، فإن من لا يستطيع أن يطوع جسمه لا يكون له نصيب من الفضل ، وإذا جعلت جسدك مطيعا بتعلم الفضل ، لقيت سلامة الدارين في فضله ، واعرف أن رأس مال الصالحات في العلم وأدب النفس والورع والصدق وطهارة الدين وعدم الأذى والحلم والحياء .