عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
162
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
أن يشرئب المرء بعنقه ويفغر فاه أمام الفلك على الدوام حتى إذا ما وقعت شدة تلقاها بعنقه أو لقمة تلقاها بفمه ، كما يقول الله تعالى : فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( الأعراف : 144 ) . لأن تأثير الفلك لا يعدو هذين ، وإذا أخذت الطريق على يدك « 1 » وتعودت القناعة فإن جسدك الحر لا يكون عبدا لشخص ، ولا تجعل للطمع مكانا في قلبك ، وارض بالخير والشر على تلك الجملة التي قد اتفقت لك ، واعلم أن الناس جميعا من أية طائفة تكون عبيدا لرب واحد وكلهم أولاد آدم ، وأن فردا أقل من فرد بسبب الحاجة والطمع ، فإذا أخرج المرء الطمع من قلبه واتخذ القناعة حرفة يستغنى عن كل العالمين ، فأكثر الناس احتشاما في الدنيا من لا تكون له حاجة إلى أحد ، وأحقر وأخس شخص في العالم من كان له طمع واحتياج ، إذ إن الناس يجعلون أنفسهم عبيدا لأمثالهم بسبب الطمع والحاجة . حكاية [ رقم 3 ] ذهب الشبلي - رحمة الله عليه - إلى مسجد ليصلى ركعتين ويستريح بعض الوقت ، وكان في ذلك المسجد صبيان كتاب ، وكان الوقت وقت طعامهم ، فكانوا يأكلون الطعام وكان طفلان جالسين اتفاقا أمام الشبلي : كان أحدهما ابنا لغنى والآخر ابن فقير ، وكان في زنبيل ذلك الولد الغنى حلوى ، وفي زنبيل ذلك الولد الفقير خبز يابس ، وكان ابن الغنى يأكل الحلوى وابن الفقير يطلب منه ، فقال له إذا أردت أن أعطيك حلوى فكن كلبى ، فقال هذا الصبى أنا كلبك ، فقال ابن الغنى انبح نباح الكلب فانثنى ذلك الولد الفقير المسكين وأخذ ينبح نباح الكلب حتى أعطاه قطعة الحلوى ، فكان الشبلي ينظر إليهما ويبكى ، فسأله المريدون : أن ما ذا حدث يا شيخ فبكيت ؟ فقال : انظروا إلام يصل الطمع بالناس ، لو أن ذلك الصبى كان يقنع بخبزه القفار ولم يكن يطمع في الحلوى لما كان يلزم أن يكون كلبا لمثله . فإن تكن زاهدا أو فاسقا فكن قانعا ومحمود الفعال لتكون في الدنيا أكبر وأقل خوفا . اعلم يا بنى أنى ذكرت في هذا الكتاب أربعة وأربعين بابا ، وفي كل باب تحدثت إليك عن كل معنى عرفته بقدر ما واتا في الطبع ، وذكرت كل ما كان من عظة ونصيحة إلا في باب العقل لأنى لا أستطيع أن أقول قط كن عاقلا وأريبا بالعسف ، إذ لا يمكن أن يكون المرء عاقلا قسرا ، اعلم أن العقل نوعان : عقل غريزي وعقل كسبى ، أما ذلك الغريزي فيقال له في الفارسية ( خرد ) وذلك الكسبى يقال له ( دانش ) . أما ما يكون كسبيا فيمكن تعلمه ، ولكن العقل الغريزي هدية الله ولا يمكن تعلمه من المعلم ، فإذا كان الحق تعالى قد أعطاك العقل الغريزي فاجتهد في الكسبى ، وتعلم واقرن الكسبى بالغريزى لتصل إلى درجة الكمال وتكون بديع الزمان ، وإذا لم يكن عقل غريزي لا نستطيع أنا وأنت
--> ( 1 ) أي : إذا سلكت الطريق .