عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
161
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
تحرق ، أما كمال الآدمي فهو الإنسانية ، يعنى أن يكون له كمال المروءة ، وكمال المروءة هو أن يكون له كمال العلم ، وتلك هي النبوة ، وكمال النبوة هو الروحانية لأنه لا توجد في درجة الآدمي منزلة أعلى من النبوة ، فأولئك القوم الذين أصابهم من الصورة الإنسانية الجسد والروح والحواس والمعاني ليسوا سوى الأنبياء ، وفي الحقيقة أن ذلك الشخص الذي أصابه نصيب من الصورة الإنسانية الكاملة لا يمكن أن يوصف إلا على موجب الصفاء ، وهو أسمى من الوهم ومعرفته بالمعاملة لا بالقول ، وتجربة ذلك الشخص الذي له صفاء تكون منه وحده ، ويكون منه كذلك علمه وصفاؤه بغير سلف ، وقصده بغير غرض وبغير طلب ، وهو مبرأ من الوحشة ومنزه عن الذاتية وبقاؤه في الفناء ويكون صافي الصفة في الصفات ، ويرى نفسه بغير نفسه وينظر إلى العين بالعين من غير عين ، فإذا سمت منزلة هؤلاء القوم وصارت قبلة « 1 » النظر فجائز . فاجتهد يا بنى أن تكون بعيد النظر في كل صفة تكون ، وكن قرينا للمروءة لتكون مختارا من الدنيا ، وإذا أردت طريق المروءة في أي طائفة تكون بها فدع عدم الحفاظ وكف على الدوام ثلاثة أشياء عن ثلاث : العين عما لا ينبغي رؤياه ، واللسان عما لا يليق قوله ، واليد عما لا يحل أخذه . وافتح للصديق ثلاثة أشياء : باب البيت والسفرة ، ورباط الكيس على قدر طاقتك . ولا تكذب لأن كل اللئام يتميزون بالكذب ، وكل اللؤم في قول الكذب ، وإذا اعتقد شخص في مروءتك ، وإن كان قد قتل أعز الناس عليك وكان أكبر عدو من أعدائك ، متى أسلمك نفسه وأقر بعجزه ، واعتمد على مروءتك من دون كل الخلق ، إذا كانت روحك ستذهب في هذا الأمر فدعها تذهب ولا تخش ، وجاهد من أجله بروحك لتتحقق فيك المروءة « 2 » ، وحذار أن تشغل بالانتقام لما مضى ، ولا تفكر في الخيانة لأن الخيانة ليست من شرط المروءة ، واعلم يا بنى أن هذا الطريق طويل ، وإذا بينت مروءة كل طائفة فإن طريق كلامي هذا سيطول في كيف ولم ، ولكني أختصر الكلام فإن كل هذا الذي قلته سيف هذا الكلام . اعلم أن أتم المروءة هو أن تعد ما هو لك من متاعك ، وتقطع الطمع عما للخلق ، وإذا كان لك شئ تجعل منه نصيبا للناس ، ولا تطمع في مال الناس ولا تحمل ما تكون قد ادخرته ، وإذا استطعت إسداء المعروف إلى الناس تفعل ، وإذا لم تستطع عمل الخير فلا أقل من أن تكف شرك عن الخلق ؛ لأن أكبر الناس من يعش في العالم كما ذكرت ، فتكون له الدنيا والآخرة أيضا . واعلم يا بنى أنى تحدثت عن القناعة في هذا الكتاب في عدة مواضع وأكرر ذلك مرة أخرى ، فإذا أردت ألا تكون حرج القلب على الدوام فكن قنوعا ولا تكن حسودا ، ليطيب وقتك دائما ، لأن أصل الغم هو الحسد ، واعلم أن تأثير الفلك من خير وشر يصيب الناس دائما ، وكان أستاذي يقول : يجب
--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : موضع . ( 2 ) الترجمة الحرفية : لتصل إليك المروءة .