عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

153

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب الرابع والأربعون في المروءة وطريق أهل التصوف وأهل الصنعة أي بنى ، إذا زاولت المروءة فاعرف أولا : ما هي المروءة ومم تنشأ ؟ اعلم يا بنى أن من صفات الناس ثلاثة أشياء ، لا تجد آدميا قط يقول إن هذه الأشياء الثلاثة ليست لي ، والعالم والجاهل راض من الله تعالى بهذه الأشياء الثلاثة ، ولو أن الله تعالى في الحقيقة قد أعطى هذه الأشياء الثلاثة : لقليل من الناس ، وكل شخص له هذه الأشياء الثلاثة فهو من جملة المقربين إلى الله . وأول هذه الثلاثة : العقل ، وثانيها : الصدق ، وثالثها : المروءة . وإذا نظرت في الحقيقة إلى ادعاء الخلق فإن أي إنسان لا يدعى العقل والمروءة والصدق كذبا ، لأنه لا يوجد أي جسد ليست فيه هذه الصفات الثلاث ، ولكن عدم مضاء الآلة وظلمة طريق الأصل يسدان هذا الباب على أغلب الخلق ، فالله تعالى قد جعل جسم الإنسان من كل المتفرقات حتى إذا ما دعوته العالم الكلى أو العالم الجزئي فكلاهما جائز ، كما أن ما في الجسد الآدمي من الطبايع والأفلاك والأنجم والعنصر والهيولى والصورة والنفس والعقل الكلى ، هذه كل واحد منها على حدة عالم في المراتب لا في التركيب ، والإنسان مركب ومجموع من هذه العوالم ، فالخالق أقام هذا الجمع بالروابط والصلات لأنه ليست لها نسبة إلى بعضها البعض كما ترى في هذا العالم الكبير من رابطة الأفلاك والطبائع المعلقة ببعضها البعض في الجنسية ولو أنها مختلفة في الجوهر ، مثل النار والماء اللذين كل منهما ضد للآخر في كل صفة ، والتراب والهواء المضاد كل منهما للآخر ، فالتراب صار واسطة بين النار والماء ، وصارت للتراب رابطة مع النار باليبوسة ومع الماء بالبرودة ، وللماء مع التراب بالبرودة ومع الهواء باللين ، والهواء مع الماء باللين ، ومع النار بالحرارة ، وللنار مع الأثير بالجوهر ، وللأثير بالإشعاع مع الشمس التي هي ملكة الأنجم والأفلاك ، وللشمس مع الهيولى بالجوهرية بقبولها لإشعاع الهيولى الذي هو جوهر للشمس من العنصر الخامس ، وصار للهيولي بالنفس روابط بالفيض العلوي ، وللنفس بالعقل ، وكذلك صار للمطبوعات صلة مع الطبائع بمادة القوة والغذاء ، وإذا لم تجد المطبوعات القوة من الطبائع في المادة ، فإنها تنهار بذلك الرباط المربوطة به ، وقس أيضا على هذا ، الطبائع من الفلك