عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
154
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
والفلك من الهيولى والهيولى من النفس والنفس من العقل ، وكذلك في الجسم الآدمي كل ما يكون من ظلمة وكثافة يتجمع من تركيب الطبائع ، وتتجمع الصورة والطلعة والحياة والقوة والحركات من الفلك ، وتتجمع الحواس الخمس الجسمانية كالسمع والشم والذوق واللمس والنظر من الهيولى ، وتتجمع الحواس الروحانية كالحفظ والتفكير والتخيل والنطق والتدبر من النفس ، وأشرف ما في الجسد الآدمي هو الشئ الذي لا يكون له معدن ظاهر ، ولا يمكن الإشارة إلى موضعه ، مثل المروءة والعلم والكمال والشرف فإن أساس هذه كلها العقل ؛ والعقل حل في الجسد من فيض العقل الكلى ، فجسدنا هذا حي بالروح ، والروح بالنفس والنفس بالعقل ، وكل شخص ترى له جسدا متحركا فلا بد من الروح ، وكل من ترى له نفسا ناطقة فلا بد من النفس ، وكل من ترى له نفسا باحثة فلا بد من العقل ، وهذه موجودة في كل آدمي ، ولكن عندما يصير المرض حجابا بين الجسد والروح تضعف رابطة الاعتدال ولا تصل المادة تماما من الروح إلى الجسد ، يعنى الحواس الخمس ، وكل من يصير الجهل والظلمة وعدم المعرفة حجابا بين نفسه وعقله فإن مادة العقل لا تصل إلى النفس ، يعنى الفكر والتدبير والمروءة والصدق ، ففي الحقيقة لا يوجد جسد بغير العقل والمروءة ، ولكن عندما يكون المنفذ الروحاني للفيض العلوي قد انسد فإنك تجد دعوى ولا معنى ، فلا يوجد شخص قط في الدنيا لا يدعى المروءة ، ولكن اجتهد أنت يا بنى ألا تكون كالآخرين وألا تدعى دعوى بغير معنى ، وأن تجعل المنفذ الروحاني مفتوحا للفيض العلوي بالتعليم والتفهيم ليكون لك المعنى كله بغير دعوى . واعلم يا بنى أن الحكماء قد جعلوا من المروءة والعقل صورة بالألفاظ لا بالجسد ، لتكون تلك الصورة جسدا وروحا وحواس ومعاني مثل الإنسان ، وقد قالوا : إن جسد تلك الصورة هو المروءة ، وروحها الصدق ، وحواسها العلم ، ومعانيها صفاتها . فقسموا هذه الصورة على الخلق ، فأصاب قوما الجسد ولا شئ آخر ، وقوما الجسد والروح ، وقوما الجسد والروح والحواس ، وقوما الجسد والروح والحواس والمعاني . أما أولئك القوم الذين صار الجسد نصيبهم ، فهم جماعة العيارين والجنود ، فإن لهم مروءة على قدر حالهم ، وقد سموا رجولتهم مروءة ، وأولئك القوم الذين أصابهم الجسد والروح هم أرباب معرفة الظاهر والباطن وفقراء التصوف الذين سموا مروءتهم الورع والمعرفة ، وأولئك القوم الذين أصابهم الجسد والروح والحواس هم الحكماء والأنبياء والأولياء الذين سموا مروءتهم العلم والفيض ، وأولئك القوم الذين أصابهم الجسد والروح والحواس والمعاني هم الروحانيون والأنبياء المرسلون . فاسع يا بنى واجتهد حتى ترقى ذلك المقدار الذي تستطيعه ويكون مقدورك ، وقد قال الحكماء إن أصل المروءة ثلاثة أشياء : أحدها : أن تعمل ما تقول ، وثانيها : أن تراعى الصدق في القول والفعل ،