أحمد بن الحسين البيهقي
92
شعب الإيمان
باب القول في إيمان المقلّد والمرتاب . المقلّد من تديّن ما تدين لأنه دين آبائه ، وقرابته ، وأهل بلده ، وليس عنده وراء ذلك حجّة يأوي إليها . والمرتاب من يقول : اعتقدت الإسلام ، وتابعت أهله احتياطا لنفسي ، فإن كان حقا فقد فزت ، وإن لم يكن من ذلك شيء لم يضرني . وواحد من هذين ليس بمسلم . وبسط الحليمي - رحمه اللّه تعالى - الكلام فيه ، قال : والمؤمن الذي ليس بمقلّد رجلان : أحدهما : الذي يعرف اللّه - تعالى جدّه - بالدّلائل والحجج معرفة تامّة لا شك معها ، وعرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالحجج الدالّة على صدقه ، ثم اعترف باللّه ورسوله ، وقبل عن رسوله جميع ما جاء به من عنده ، وأسلم نفسه بالطاعة له فيما أمره به ، ونهاه عنه . والآخر : من يؤمن باللّه إجابة لدعوة نبيّه بعد قيام الحجّة على نبوّته وبسط الكلام فيه إلى أن قال : ثم ينظر ، فإن كان المؤمن قبل أن آمن يثبت اللّه - تعالى جدّه - إلّا أنه يلحد في أسمائه وصفاته ، كان إيمانه الحادث ترك ذلك الإلحاد لما يقوله النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ويدعوه إليه . وإن كان قبل ذلك لا يدين ، ويرى أن لا صانع للعالم ، وأنه لم يزل على ما هو عليه الآن ، فوجه إيمانه باللّه لدعوة نبيّه هو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر أنّ للعالم إلها واحدا لم يزل ولا يزال ، ولا يشبه شيئا ، قادرا لا يعجزه شيء ، عالما ، حكيما ، كان ولا شيء غيره ، وأبدع كل موجود سواه ، واخترعه اختراعا لا من أصل ، وأنّه أرسله إلى الناس ليعرّفه إليهم ، وينبّههم على آثار خلقه التي يرونها ويعقلون عنها ، ويدعوهم إلى طاعته وعبادته ، وأنّ دلالته على صدقه هي ما أيّده به من