أحمد بن الحسين البيهقي
93
شعب الإيمان
كذا وكذا مما لا يستطيع النّاس - وإن تظاهروا - أن يأتوا بمثله ، وإنّه إذا كان واحد من الناس تجمعه وايّاهم البشرية ثم يجمعه وأهل بلده الهواء والأرض والماء ، وكان ما عدا هذا - الذي يذكر أنه تأيد به ليكون دلالة على صدقه - لا يباين فيه أحدا من الناس ، ويحتاج من الطعام والشراب إلى مثل ما يحتاجون إليه ، ولا يقدر من الأشياء المعتادة إلا على ما يقدرون عليه ، ويعجز عما يعجزون عنه ؛ وجب أن يعلموا أنّه من فضل هذا الإله الذي اختصّ به فما هو خارج عن قضية العادات ، عاجز مثلهم ، وإنه وإن كان عاجزا عنه وقد وجد به وظهر على يده حتى انّه ليس من صنعه ولكن من صنع غيره . ولا جائز أن يكون ذلك الغير من جنسه ، أو مثله ، أو في القدرة نظيره ، إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده من غيره كما استحال وجوده منه . وفي ذلك ما يوجب أن يكون من صنع صانع لا يفعل الأشياء بمثل القوة والقدرة التي بها صنع الصنّاع المشاهدون ، وأنه كما لم يشبه صنعه صنعهم ، فكذلك هو غير مشبه إياهم ، ولا جائز عليه من معاني النقص ما هو جائز عليهم ، فانتظمت حجته هذه إثبات الصانع على من يجهله ولا يعترف به ، وإثبات رسالته من عنده . فمن استسلم لحجته ، وصدّقه في جميع قوله ، وآمن بجملة دعوته ، كان إثبات الرسول والمرسل منه معا في مقام واحد . فهذا وجه الإيمان باللّه إجابة لدعوة رسوله إليه ، وهذا إجابة بحجّة . ومن هذا الوجه كان إيمان عامّة المستجيبين للأنبياء والرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم . ثم قد كان فيهم من تنبّه بعد ، فرأى ، ونظر ، وبحث فبصّره اللّه تعالى من الدلائل ما شدّ به أزره ، وعصم دينه ، وقوى يقينه ، وطلب من هذا العلم ما ينصر به الدين ، ويجادل به أعداءه وينصب به للدفع عنه . « 82 » - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد المقرئ ، أنبا الحسن بن
--> ( 82 ) - جعفر هو ابن أبي طالب ، ووالد وهب وهو جرير بن حازم ، ونصر بن علي هو ابن نصر الجهضمي الصغير . والحديث أخرجه أحمد ( 1 / 201 و 203 ) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن به .