أحمد بن الحسين البيهقي

127

شعب الإيمان

وسئل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم عن بدء هذا الأمر فقال : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره - ثم ذكر الخلق » . فإن قال قائل : فهل في العقل دليل على حدث الأجسام ؟ قيل : نعم ، وقد وجدنا الأجسام لا تنفك عن الحوادث المتعاقبة عليها كالاجتماع والافتراق ، والسكون والحركة ، والألوان ، والمطعوم والأرايح وما لم ينفكّ من الحوادث ولم يسبقها ، محدث مثلها . . . وإن قال : وهل فيه دليل على حدث الأعراض ؟ قيل : نعم . قد وجدناها تتضاد في الوجود ولا يصح وجود جميعها معا في محلّ ، فثبت أن بعضها يبطل ببعض ، وما يجوز عليه البطلان لا يكون إلّا حادثا ، لأن القديم لم يزل ولا يصح عليه العدم . فإن قال : فهل فيه دليل على أن الحوادث لا بد لها من محدث ؟ قيل : نعم . حقيقة المحدث ما وجد عن عدم ، ولولا أن موجودا أوجده لم يكن وجوده أولى من عدمه ؛ وإنه يتقدّم بعضها على بعض ، فلو لا أن مقدّما قدّم ما تقدم منه ، لم يكن حدوثه متقدّما أولى من حدوثه متأخرا ، وكذلك وجود بعضه على بعض الهيئات المخصوصة يدل على جاعل خصّه بذلك ، لو لاه لم يكن بعض الهيئات بأولى من بعض ، ولأنا نشاهد الأجسام يتنقل أسبابها ، ويتبدل أحوالها ، فلو لا أن منقّلا نقلها ، لم يكن انتقالها أولى من بقائها . وفي ذلك دليل على أن تعلقها بمن نقلها ، وحاجتها إلى من غيّرها ، أنّها مصنوعة ، وأن لها صانعا غيرها ، ونحن نصوّره في الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام ، فإنه كان نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاما ولحما ودما وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال ، لأنّا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر على أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ، ولا أن يخلق لنفسه جارحة ، فدلّ ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوّته عن ذلك اعجز . وقد رأيناه طفلا ثم شابّا ، ثم كهلا ثم شيخا . وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال ( فدلّ على أن ناقلا نقله من حال إلى حال ) ودبّره على ما هو عليه . ومما يبيّن ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحوّل غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا من غير صانع ولا مدبّر . والطين والماء لا