أحمد بن الحسين البيهقي
128
شعب الإيمان
يجوز أن يصيرا بناء مشيدا من غير بان . وكما لا يجوز صانع لا صنع له . لا يجوز صنع لا من صانع . وقد نبّهنا اللّه تعالى في غير موضع من كتابه العزيز على ما ذكرناه من العبر ، فقال عزّ وجلّ : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ * وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [ الروم : 20 - 25 ] . وإن قال قائل : ومن لكم بأن أثر الصّنع موجود في السماوات والأرض ؟ قال الحليمي - رحمه اللّه تعالى - . قيل له إن السماء جسم محدود متناه ، والمحدود المتناهي لا يجوز أن يكون قديما ، لأن القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده ، وما لا سبب لوجوده ، فلا جائز أن يكون له نهاية ، لأنه لا يكون وجوده إلى تلك النهاية أولى به من وجوده دونها أو وراءها . ولأن المتناهي لا يكون خالص الوجود لأنه إلى نهايته يكون موجودا ثم يكون وراء نهايته معدوما ، والقديم لا يعدم ، فصحّ أن المتناهي لا يجوز أن يكون قديما ، والسماء متناهية . فثبت أنها ليست بقديم . فإن قيل : وما الدليل على أنها متناهية ؟ قيل : الدليل على أنها متناهية عيانا من الجهة التي تلينا ، فدل ذلك على أنها متناهية من الجهات التي نراها ولا نشاهدها لأن تناهيها من هذه الجهة قد أوجب أن لا يكون ما يلينا منها قديما موجودا إلا لسبب ، فصح أن ما لا يلينا منها فهي كذلك أيضا ، لأنه لا يجوز أن يكون شيء واحد بعضه قديم وبعضه غير قديم . وأيضا فإن السماء جسم ذو أجزاء ، وكلّ جزء منه محدود متناه ، فدلّ ذلك