أحمد بن محمد مسكويه الرازي
87
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
فاما انها « 1 » ليست بعرض « 2 » فقد تبين من قبل ان العرض لا يحمل عرضا ، لأن العرض في نفسه محمول أبدا ، موجود في غيره ، لا قوام له بذاته . وهذا الجوهر الذي وصفنا حاله هو قابل ابدا حامل أتم وأكمل من حمل الأجسام للأعراض . فاذن : النفس ليست جسما ولا جزءا من جسم ولا عرضا . وأيضا فان الطول والعرض والعمق الذي صار به الجسم جسما يحصل في النفس في قوتّها الوهمية ، من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة ، ثم تزداد فيها هذه المعاني ابدا بلا نهاية ، فلا تصير بها أطول ولا أعرض ولا أعمق ، بل لا تصير بها جسما البتة ، ولا إذا تصورت أيضا كيفيات الجسم تكيفت بها ، أعني إذا تصورت الألوان والطعوم والروائح لم تتصور بها كما تتصور الأجسام ، ولا يمنع بعضها قبول بعض من أضدادها كما يمنع في الجسم بل تقبلها كلها في حالة واحدة بالسواء . « 3 » وكذلك حالها في المعقولات « 4 » فإنها تزداد بكل معقول تحصله قوة على قبول غيره دائما أبدا بلا نهاية ، وهذه حالة مقابلة لأحوال الأجسام وخاصة في غاية البعد من خواصها ، وأيضا فان الجسم قواه لا تعرف العلوم إلا من الحواس ، ولا يميل إلّا إليها ، فهي تتشوقها بالملابسة والمشابكة ، « 5 » « كالشهوات البدنية » و « محبّة الانتقام والغلبة » ، وبالجملة كل ما يحس ويوصل اليه بالحس . والجسم يزداد بهذه الأشياء قوّة ويستفيد منه تماما وكمالا ، لأنها مادته وأسباب وجوده ، فهو يفرح بها ويشتاق إليها من أجل انها تتمة وجوده وتزيد فيه وتمده . فأمّا
--> ( 1 ) . النفس . ( 2 ) . عرض الشيء ، غير جوهر وأساس الشيء . ( 3 ) . هذه من أهم الفروقات بين نفس وجسم الانسان . ( 4 ) . العلوم العقلية . ( 5 ) . الترغيب والترهيب .