أحمد بن محمد مسكويه الرازي
88
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
هذا المعنى الآخر ، الذي سميناه نفسا ، فإنه كلّما تباعد من هذه المعاني البدنية التي أحصيناها وتداخل إلى ذاته وتخلى من الحواس بأكثر ما يمكن ، ازداد قوة وتماما وكمالا ، وتظهر له الآراء الصحيحة والمعقولات البسيطة . وهذا إذن أدل دليل على أن طباعه وجوهره من غير طباع الجسم والبدن ، وانه أكرم جوهرا « 1 » وأفضل طباعا من كل ما في هذا العالم من الأمور الجسمانية . وأيضا فان تشوقها « 2 » إلى ما ليس من طباع البدن وحرصها على معرفة حقائق الأمور الإلهية وميلها ، إلى الأمور التي هي أفضل من الأمور الجسمية ، وإيثارها لها وانصرافها عن الأمور واللذات الجسمانية ، يدلنا دلالة واضحة انها من جوهر أعلى وأكرم جدا من الأمور الجسمانية ، لأنه لا يمكن في شيء من الأشياء ان يتشوق ما ليس من طباعه وطبيعته ، ولا أن ينصرف عما يكمل ذاته ، ويقوم جوهره ، فاذن : كانت أفعال النفس إذا انصرفت إلى ذاتها فتركت الحواس مخالفة لأفعال البدن ، ومضادة لها في محاولاتها واراداتها ، فلا محالة ان جوهرها مفارق لجوهر البدن ومخالف له في طبعه ، وأيضا فان النفس وان كانت تأخذ كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس ، فلها من نفسها مبادئ أخر وافعال ، لا تأخذها عن الحواس البتة ، وهي المبادئ الشريفة العالية التي تنبني عليها القياسات الصحيحة ، وذلك انها إذا حكمت انه ليس بين طرفي النقيض واسطة ، فإنها لم تأخذ هذا الحكم من شيء آخر ، لأنه أولي ، ولو اخذته من شيء آخر لم يكن أوليّا .
--> ( 1 ) . الجوهر ، جمع جواهر ، الموجود القائم بنفسه ، ويقابله العرض . الجوهر : الذي لا يتجزّء ، ولا يقبل الانقسام ، جوهر الشيء : ما وضعت عليه جبلته وطبعته . ( 2 ) . قوله : فان تشوقها اي النفس وان سياق العبارة يقتضي تذكير الضمير .