أحمد بن محمد مسكويه الرازي
46
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
كما أدّى إلى إزدهار تلك المراكز ، ونبوغ العلماء المنتمين إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي آنذاك ، وذلك لتنافس الأمراء وتفاخرهم فيما بينهم باجتذاب العلماء والأدباء إلى بلاطاتهم . فنبع في غضون ذلك رجال علم وحكمة وأدب وسياسة عاصرهم مسكويه وعاصروه ، وكان مسكويه على اتصال وثيق بكثير منهم . لكي نتقيّد تماما بهذه التوجيهات المنهجيّة ، فسوف نجمّع كل المعلومات التي نعرفها عن حياة مسكويه تحت عنوانين عريضين وأساسيين وهما : تكوينه العلمي ، ورسالته الفكرية ، ويبدو أن رسالته أو موهبته الفكريّة لم تظهر إلّا بشكل متأخر ، وذلك لأنّ نضجه العقلي كان بطيئا على ما يبدو ، وقد تمّ من خلال الاحتكاك بالكتب والبشر والحياة ، وبالطبع فهناك علاقة بين تكوينه العلمي وبين حرفته الأدبيّة أو الفكرية ، وسوف نحاول أن نضيء هذه العلاقة لأنّها تساعدنا على فهم جوانب العمل لحياته الفكريّة والأدبية . التكوين العلمي لمسكويه لا يمكن أن نختزل التكوين العلمي لمؤلف ما إلى مجرّد ما أخذه عن نسخة أو حتى عن عدّة شيوخ . صحيح أن تأثير الأستاذ يكون حاسما أحيانا في توجيه شخصية المريد ، ولكنه في غالب الأحيان ليس إلّا عاملا من جملة عوامل أخرى لها أيضا أهميتها الحاسمة . وبالتالي فإنّ التكوين العلمي المباشر - أي التلميذ مع الأستاذ - ليس إلا غطاء آخر أكثر عمقا وتواصليّة ، أي التكوين العلمي الغير مباشر ، وفي كثير من الأحيان يتغلّب