أحمد بن محمد مسكويه الرازي
45
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ينشدها هو ، كما لم يجد في المعجزات تجربة إنسيّة يستطيع الجميع أن يمارسوا مثلها ، أو يعتبروا بها ، وهذا لا يعني أنّه ترك ما كان للأنبياء من تدابيرهم البشريّة التي ليست مقرونة بالاعجاز ، لأنّ هذا النمط من أخبارهم وارد في صميم ما اهتمّ به مسكويه في مؤلفاته وتسجيله لأحداث التاريخ ، مع العلم بأنّ لمسكويه كتابا في صفات الأنبياء السالفين تحت عنوان « أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السالفين » . وعلى كل حال فإنّ مسكويه يمثّل مستوى عاليا في الكتابة التاريخية ، فهو قلّما يهتم بالأمور التافهة ، بل يدرك كلّ ما له قيمة تاريخية جوهرية ، ويعرض الأحداث الهامّة بشكل معقول متماسك . الفترة التي عاشها مسكويه عاش مسكويه حوالي مئة سنة ( 320 - 421 ه ) ، إن لم نقل أكثر من ذلك ، وعاش قرنا كاملا هو ألمع القرون الإسلامية حضارة ، وهو عصر النهضة في الإسلام كما سمّاه المستشرق ( آدم متز ) . وإذا عرفنا أنّ دولة البويهيين قد بدأت هي أيضا في سنة 320 ه ، فيكون مسكويه والدولة البويهية تربين أو لدين ، تعاصرا قرنا كاملا . والسنوات المئة هذه كانت قمّة إزدهار تلك الدولة ، وأمّا السنوات المتبقيّة من عمر الدولة ( 421 - 448 ه ) فهي سنوات تنحدر الأسرة البويهيّة فيها إلى حضيض الضعف والاضمحلال . فبذلك يصبح مسكويه وثيقة حيّة من أوثق وثائق تلك الحقبة التاريخية التي لها خصائص وميزات في تاريخ الفكر والعلم الإسلاميين ، وإن كانت بالنسبة للخلافة العبّاسية عصر تفكّك وتعدّد في مراكز الحكم ، وهذا بالذات أدّى إلى تعدّد مراكز العلم أيضا ،