أحمد بن محمد مسكويه الرازي
44
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
التاريخ معلّم الإنسان مسكويه : الناقد البصير للأحداث التأريخيّة : بنظرة دقيقة إلى أعمال مسكويه ، يتضح لنا بأن مسكويه يرى الأحداث التاريخية بأنه يمكن الاستفادة منها في التجربة للحياة الفردية والاجتماعية . في أمور لا تزال يتكرّر مثلها ، وينتظر حدوث أشباهها ، وإذا عرف الإنسان تلك الأحداث وقميتها التجريبيّة ، ثم إتّخذها إماما لنفسه ، يقتدى به ، فهذا يجعله يحذر ممّا ابتلي به قوم ، ويتمسّك بما سعدوا به . والنظرة هذه تبتني على رأيه القائل : « إنّ أمور الدنيا متشابهة ، وأحوالها متناسبة . فباستطاعة الإنسان أن يقارن الحاضر بالماضي ، ويهتدي بهدى التجارب التي حصلت فيه للأسلاف ، ثمّ إنّ ما يحفظه الإنسان من التاريخ كأنّه تجارب له ، باشرها بنفسه . فأصبح خبيرا بالأمور قبل وقوعها ، فيستقبلها استقبال الخبر ، فيفعل في علاجها الأنسب والأجدى ، فيحلّ مشاكله ، وينجح في مشاريعه نجاح الخبير الواعي » . « 1 » بيد أنّ مسكويه لاحظ انّ تلك الأخبار التاريخية الحقّة مغمورة بالأسحار ، متبدّدة في الخرافات والأساطير التي ليست لها فائدة إلا استجلاب النوم بها ، والإستئناس بالمستطرف منها ، فأخذها بالنقد ، واستخراج ذات القيمة منها ، وضرب صفحا عمّا لم يجد فيها قيمة تاريخيّة تجريبيّة ، وتركها وهو يرى أنّ للأحداث التاريخية الحقّة أيضا أنس السّمر الذي يوجد في الخرافات والأساطير . إنّ مسكويه لم يثق بروايات ما قبل الطوفان ، لفقدانها القيمة التاريخية التي
--> ( 1 ) . انظر مقدمة كتاب : تجارب الأمم .