أحمد بن محمد مسكويه الرازي
309
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ج ) الموت ، والخوف منه : فاذن : الحكمة البالغة والعدل المبسوط بالتدبير الإلهي هو الصواب الذي لا معدل عنه ولا محيص منه ، وهو غاية الجود الذي ليس وراءه غاية أخرى طالب مستزيد أو راغب مستفيد ، والخائف منه هو الخائف من عدل الباري وحكمته ، بل هو الخائف من جوده وعطائه . فقد ظهر ظهورا حسيا ان الموت ليس برديء كما يظنه جمهور الناس ، وانما الرديء هو الخوف منه ، وان الذي يخاف منه هو الجاهل به وبذاته ، وقد ظهر أيضا في ما تقدم من قولنا ان حقيقة الموت هي مفارقة النفس البدن ، وهذه المفارقة ليست فسادا للنفس انما هي فساد المتركب ، وأمّا جوهر النفس الذي هو ذات الانسان ولبه وخلاصته فهو باق وليس بجسم ، فيلزم فيه ما لزم في الأجسام مما أوردناه قبيل ، بل لا يلزمه شيء من أعراض الأجسام ، أي لا يتزاحم في المكان لاستغنائه عن المكان ، ولا يحرص على البقاء الزماني لاستغنائه عن الزمان ، وانما استفاد بالحواس والأجسام كمالا ، فإذا كمل بها ثم خلص منها صار إلى عالمه الشريف القريب إلى بارئه ومنشئه تعالى وتقدس . وهذا الكمال الذي يستفيده في هذا العالم الحسي قد بيناه وعرفناك الطريق اليه بما سلف من القول في هذا الباب ، وانه السعادة القصوى للانسان ، وأعلمناك ضده الذي هو الشقاء الأقصى له ، وبيّنا مع ذلك مراتب السعادة ومنازل الأبرار ودرجاتهم من رضوان اللّه وجنّته هي دار القرار ، كما بينا لك أضدادها من سخطه ودركاتهم من النار التي هي الهاوية بلا قرار . نسأل اللّه حسن المعونة على ما يقر بنا منه ويبعدنا من سخطه ، انه جواد كريم رؤوف رحيم . « 1 »
--> ( 1 ) . لا شك أن الفكر البشري قد حار في أمر ظاهرة الموت وتفسيرها ، وأن الدين الإسلامي قد