أحمد بن محمد مسكويه الرازي
310
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
13 - علاج الحزن الحزن ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب ، وسببه الحرص على القنيات الجسمانية ، والشره إلى الشهوات البدنية ، والحسرة على ما يفقده أو يفوته منها . وانما يحزن ويجزع « 1 » على فقد محبوباته وفوت مطلوباته من يظن أن ما يحصل له من محبوبات الدنيا يجوز ان يبقى ويثبت عنده ، أو أنّ جميع ما يطلبه من مفقوداتها لا بد ان يحصل له ويصير في ملكه ، فإذا أنصف نفسه وعلم أن جميع ما في عالم الكون والفساد غير ثابت ولا باق ، وانما الثابت الباقي هو ما يكون في عالم العقل ، لم يطمع في المحال ولم يطلبه ، وإذا لم يطمع فيه لم يحزن لفقد ما يهواه ولا لفوت ما يتمناه في هذا العالم ، وصرف سعيه إلى المطلوبات الصافية ، واقتصر بهمته على طلب المحبوبات الباقية ، وأعرض عما ليس في طبعه ان يثبت ويبقى . وإذا حصل له منه شيء بادر إلى وضعه في موضعه وأخذ منه مقدار الحاجة إلى دفع الآلام التي أحصيناها من الجوع والعري والضرورات التي تشبهها ، وترك الادخار والاستكثار والتماس المباهاة والافتخار . ولم يحدث نفسه بالمكاثرة بها والتمنّي لها ، وإذا فارقته لم يأسف عليها ولم يبال بها ، فان من فعل ذلك أمن فلم يجزع وفرح فلم
--> - قدّم فيه وجهة النظر الوحيدة المتكاملة . فالروح من أمر اللّه ، وليست من المسائل التي يمكن أن يعيها عقل البشر ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء / 85 . والموت قدر كل الكائنات ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ . . . الأنبياء / 35 . و أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ النساء / 87 . وفي نهاية المطاف يبيّن لنا اللّه عز وجل الهدف والغاية من جعل الموت والحياة للانسان : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا الملك / 2 . لأنّ - في الحقيقة - الدنيا مزرعة الآخرة . ( 1 ) . الجزع : أبلغ من الحزن ، فإنّ الحزن عام والجزع هو : حزن يصرف الإنسان عمّا هو بصدده ، ويقطعه عنه ، وأصل الجزع قطع الحبل من نصفه ، يقال : جزعته فانجزع .