أحمد بن محمد مسكويه الرازي

302

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

المخاوف ، وجب ان نبدأ بالكلام فيه فنقول : ان الخوف من الموت ليس يعرض إلّا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة ، أو لأنّه يظن أن بدنه إذا انحلّ وبطل تركيبه فقد إنحلّت ذاته وبطلت نفسه بطلان عدم ودثور ، وان العالم سيبقى موجودا وليس هو بموجود فيه ، كما يظنه من يجهل بقاء النفس وكيفية المعاد ، أو لأنه يظن أنّ للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض التي ربما تقدمته وأدّت اليه وكانت سبب حلوله ، ولأنه يعتقد عقوبة تحل به بعد الموت ، أو لأنه متحيّر لا يدري على أي شيء يقدم بعد الموت ، أو لأنه يأسف على ما يخلفه من المال والقنيات ، وهذه كلها ظنون باطلة لا حقيقة لها . أما من جهل الموت ولم يدر ما هو على الحقيقة ، فانا نبين له ان الموت ليس بشيء أكثر من ترك النفس استعمال آلاتها وهي الأعضاء التي يسمى مجموعها بدنا ، كما يترك الصانع استعمال آلاته ، وان النفس جوهر « 1 » غير جسماني وليست عرضا ، وأنها غير قابلة للفساد ، وهذا البيان يحتاج فيه إلى علوم تتقدمه وهو مبرهن مشروع على الاستقصاء في موضعه الخاص به . ومن تطلع اليه ونشط للوقوف عليه لم يبعد مرامه ، ومن قنع بما ذكرته في صدر هذا الكتاب وسكنت نفسه اليه ، علم أن ذلك الجوهر مفارق البدن مباين له كل المباينة بذاته وخواصه وافعاله وآثاره ، فإذا فارق البدن كما قلنا وعلى الشريطة التي شرطنا بقي البقاء الذي يخصه ونقي من كدر

--> ( 1 ) . جوهر : أنيّة الشيء وعينه وذاته ، وتخصيص اسم الجوهر أمر اصطلاحي . والجوهر هو كل ما وجود ذاته ليس في موضوع - أي في محل قريب - قد قام بنفسه دونه لا بتقويمه ، فالموجود الذي ليس في موضوع ، هو عكس العرض ، وهو الموجود في موضوع ، أي : في محل مقوّم لما حلّ فيه . - والجوهر منحصر في خمسة ، هي : 1 - الهيولى ، 2 - الصورة 3 - النفس 4 - الجسم 5 - العقل . والجوهر يختلف عند الفلاسفة والصوفيّة والمتكلّمون .