أحمد بن محمد مسكويه الرازي

303

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الطبيعة وسعد السعادة التامة ، ولا سبيل إلى فنائه وعدمه فان الجوهر لا يفنى من حيث هو جوهر ولا تبطل ذاته ، وانما تبطل الأعراض والنسب والإضافات التي بينه وبين الأجسام باضدادها . فأما الجوهر فلا ضد له ، وكل شيء يفسد فإنما فساده من ضده . وقد يمكنك أن تقف على ذلك بسهولة من أوائل المنطق قبل ان تصل إلى براهينه ، وان أنت تأمّلت الجوهر الجسماني الذي هو أخس من ذلك الجوهر الكريم ، واستقريت حاله وجدته غير فان ولا متلاش من حيث هو جوهر ، وانما يستحيل بعضه إلى بعض فتبطل خواصه واعراضه من شيئا فشيئا . فأما الجوهر نفسه فهو باق لا سبيل إلى عدمه وبطلانه . مثال ذلك الماء ، فإنه يستحيل بخارا وهواء ، وكذلك الهواء يستحيل ماء ونارا ، فتبطل عن الجوهر أعراضه وخواصه ، وأمّا الجوهر من حيث هو جوهر فإنه لا سبيل إلى عدمه ، هذا في الجوهر الجسماني القابل للاستحالة والتغيير ، فأما الجوهر الروحاني الذي لا يقبل الاستحالة ولا التغير في ذاته ، وانما يقبل كمالاته وتمامات صوره ، فكيف يتوهم فيه العدم والتلاشي ؟ « 1 » واما من يخاف الموت لأنّه لا يعلم إلى أين تصير نفسه ، أو لأنه يظن أن بدنه إذا انحلّ وبطل تركيبه فقد انحلّت ذاته وبطلت نفسه ، وجهل بقاء النفس وكيفية المعاد ، فليس يخاف الموت على الحقيقة وانما يجهل ما ينبغي ان يعلمه ، فالجهل إذا هو

--> ( 1 ) . الجوهر ينقسم إلى : 1 - بسيط روحاني ، كالعقول والنفوس المجرّدة . 2 - وبسيط جسماني ، كالعناصر . 3 - ومركب في العقل دون الخارج ، كالماهيّات الجوهرية المركبة من الجنس والفصل . 4 - ومركب منهما كالمواد الثلاث .