أحمد بن محمد مسكويه الرازي

298

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

10 - الجبن والخور ولما كانت الاضداد يعرف بعضها من بعض ، وقد عرفنا الطرف الذي حددناه بحركة للنفس عنيفة قوية يحدث منها غليان دم القلب شهوة للانتقام ، فقد عرفنا ان مقابله ، أعني الطرف الآخر الذي هو سكون للنفس عندما يجب ان تتحرك فيه ، وبطلان شهوة الانتقام . وهذا هو سبب الجبن والخور وتتبعه مهانة النفس وسوء العيش ، وطمع طبقات الأنذال وغيرهم من الأهل والأولاد والمعاملين ، وقلة الثبات والصبر في المواطن التي يجب فيها الثبات . وهو أيضا سبب الكسل ومحبة الراحة اللذين هما سببا كل رذيلة ، ومن لواحقه الاستخذاء « 1 » لكل أحد والرضى بكل رذيلة وضيم ، والدخول تحت كل فضيحة في النفس والأهل والمال ، وسماع كل قبيحة فاحشة من الشتم والقذف واحتمال كل ظلم من كل معامل وقلة الانفة مما يأنف منه الناس . وعلاج هذا الأسباب واللواحق يكون باضدادها ، وذلك بأن توقظ النفس التي تمرض هذا المرض بالهز والتحريك ، فان الانسان لا يخلو من القوة الغضبية رأسا حتى تجلب اليه من مكان آخر ، ولكنها تكون قصة عن الواجب ، فهي بمنزلة النار الخادمة التي فيها بقية لقبول الترويح والنفخ ، فهي تتحرك لا محالة إذا حركت بما يلائمها وتبعث ما في طبيعتها من التوقد والتلهب . وقد حكي عن بعض المتفلسفين انه كان يتعمد مواطن الخوف فيقف فيها ، ويحمل نفسه على المخاطرات العظيمة بالتعرض لها ، ويركب البحر عند اضطرابه وهيجانه ليعود نفسه الثبات في المخاوف ، ويحرك منها القوة التي تسكن عند الحاجة إلى حركتها ، ويخرجها عن رذيلة الكسل

--> ( 1 ) . الإستخذاء : الإستكانة ، وطأطأة الرأس . . .