أحمد بن محمد مسكويه الرازي
295
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ثم على إخوانه ثم على الأقرب فالأقرب من معامليه ، حتى ينتهي إلى عبيده وإلى حرمه فيكون عليهم سوط عذاب ، ولا يقيلهم عثرة ولا يرحم لهم عبرة وان كانوا براء من الذنوب ، غير مجترمين ولا مكتسبين سواء ، بل يتجرّم عليهم ويهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم ، حتى يبسط لسانه ويده ، وهم لا يمتنعون منه ولا يتجاسرون على ردّه عن أنفسهم ، بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم يقترفوها استكفافا لشره وتسكينا لغضبه ، وهو مع ذلك مستمر على طريقته لا يكف يدا ولا لسانا ، وربما تجاوز في هذه المعاملة الناس إلى البهائم التي لا تعقل ، وإلى الأواني التي لا تحس ، فان صاحب هذا الخلق الرديء ربّما قام إلى الحمار والبرذون « 1 » أو إلى الحمام والعصفور فيتناولها بالضرب والمكروه ، وربما عض القفل إذا تعسر عليه ، وكسر الآنية التي لا يجد فيها طاعة لأمره . وهذا النوع من رداءة الخلق مشهور في كثير من الجهال ، يستعملونه في الثوب والزجاج والحديد وسائر الآلات . وأمّا الملوك من هذه الطائفة فأنهم يغضبون على الهواء إذا هبّ مخالفا لهواهم ، وعلى القلم إذا لم يجر على رضاهم ، فيسبّون ذاك ويكسرون هذا ! وكان بعض من تقدم عهده من الملوك يغضب على البحر إذا تأخرت سفينة فيه لاضطرابه وحركة الأمواج ، حتى يهدده بطرح الجبال فيه وطمه بها . « 2 » وكان بعض السفهاء في عصرنا يغضب على القمر ويسبه ويهجوه بشعر له مشهور ، وذلك أنه كان يتأذى به إذا نام فيه . وهذه الأفعال كلها قبيحة وبعضها مع قبحه مضحك يهزأ بصاحبه ، فكيف يمدح بالرجولية والشدة وشرف النفس وعزتها ، وهي
--> ( 1 ) . البرذون : دابّة الحمل الثقيلة . ( 2 ) . عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله : « اشتد غضب اللّه على من زعم أنّه ملك الأملاك ، لا ملك إلا اللّه » .