أحمد بن محمد مسكويه الرازي

294

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ونفاد ما في خزائنه وقلاعه ، لم يجد ثمنها ولا قريبا من ثمنها عند أحد ، ولم يتحصل منها إلّا على الفضيحة في حاجته إلى رعيته في بعض قيمتها ، وهو لا يقدر على قليل ولا كثير من اثمنها . وهي مبذولة متبذلة في أيدي الدلالين والتّجار والسوقة ، يتعجبون منها ولا يقدرون عليها ، ومن قدر منهم على ثمن شيء منها لم يتجاسر عليه خوفا من تتبعه بعد ذلك وظهور امره وانتزاعه منه ، فهذه حال هذه الذخائر عند الملوك . وأمّا التّجار الموسومون بهذه الصناعة فربما اتفق لهم زمان صالح وسكون من الرؤساء وأمن في السرب ، وحينئذ تكون بضاعتهم شبيهة بالكاسدة لأنها لا تنفق إلّا على الملوك الودعين الذين لا يحزنهم شيء من نوائب الدهر ، وقد استمر بهم الخفض « 1 » وفضّلت أموالهم عن الخزائن والقلاع ، فحينئذ يغترون بالزمان فيقعون في مثل هذه الخدائع ثم تؤول عاقبتهم إلى ما حذّرنا منه . 8 - الغضب فهذه أسباب الغضب والأمراض الحادثة منها ، ومن عرف العدالة وتخلق بها كما بيناه في ما تقدم سهل عليه علاج هذا المرض ، لأنه جور وخروج عن الاعتدال ، ولذلك لا ينبغي ان نسميه بأسماء المديح واعني بذلك ان قوما يسمون هذا النوع من الجور ، أعني الغضب في غير موضعه رجولية وشدة شكيمة ، « 2 » ويذهبون به مذهب الشجاعة التي هي بالحقيقة اسم للمدح . وشتان ما بين المذهبين ، فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه تصدر عنه أفعال رديئة كثيرة ، يجور فيها على نفسه

--> ( 1 ) . الخفض : الدعة ، يقال عيش خافض ، أي : عيش في راحة بال . ( 2 ) . الشكيمة ، جمع شكائم ، وهي : حديدة في اللجام توضع في فم الفرس . أنفه . إباء وحزم . يقال : فلان ذو شكيمة أو شديد الشكيمة ، أي : أبيّ النفس حازم لا يلين .