أحمد بن محمد مسكويه الرازي
286
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
يتقارب فيه ، وتصور ذلك من الحطب اليابس والرطب ومبدأ إشتعال النار بسرعة وشدة من الكبريت والنفط ، ثم انحدر منهما إلى الادهان المتوسطة التي تنتهي إلى الاحتكاك ، فان الاحتكاك وان كان ضعيفا في توليد النار فربما قوي حتى تلتهب منه الأجمة العظيمة . وكفاك مثل السحاب الذي هو من البخارين كيف يحتك حتى تنقدح بينهما النيران ، وينزل منهما الصواعق التي لا يثبت أثرها شيء من المواد ، ولا يفارق ما يعلق به حتى يصير رميما ، وان كان حبلا أطلس وحجرا أصم . واما « بقراطس » « 1 » فإنه قال : إني للسفينة الرياح وتلاطمت عليها الأمواج ، وقذفت بها اللجج التي فيها الجبال أرجى مني للغضبان الملتهب وذلك ان السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون ويخلصون بضروب الحيل ، وأمّا النفس إذا استشاطت غضبا فليس يرجى لها حيلة البتة ، وذلك ان كل ما رجي به الغضب من التضرع والمواعظ والخضوع ، يصير له بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده اشتعالا . 3 - العجب والافتخار « 2 » أمّا أسبابه المولدة له فهي العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح ، والتيه والاستهزاء والغدر والضيم وطلب الأمور الّتي فيها لذّة ، ويتنافس فيها الناس ويتحاسدون عليها ، وشهوة الانتقام غاية لجميعها لأنها بأجمعها تنتهي اليه ، ومن لواحقه الندامة وتوقع المجازاة بالعقاب عاجلا وآجلا ، وتغير المزاج وتعجل الألم ؛
--> ( 1 ) . يقصد الفيلسوف اليوناني بقراط أو أبقراط . ( 2 ) . من كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام لمالك الأشتر لمّا ولّاه مصر : « إياك والإعجاب بنفسك ، والثقة بما يعجبك منها ، وحبّ الاطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ، ليمحق ما يكون من إحسان المحسن .