أحمد بن محمد مسكويه الرازي
287
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وذلك ان الغضب جنون ساعة وربما أدّى إلى التلف باختناق حرارة القلب فيه ، وربما كان سببا لأمراض صعبة مؤدّية إلى التلف ، ثم من لواحقه مقت الأصدقاء وشماتة الأعداء واستهزاء الحساد والأراذل من الناس . ولكل واحد من هذه الأسباب علاج يبدأ به حتى يقلع من أصله فأمّا إذا تقدّمنا لحسم هذه الأسباب وإماطتها فقد أوهنّا قوة الغضب وقطعنا مادتها وامنّا غائلتها ، فان عرض لنا منها عارض كان بحيث نطيع العقل ونلتزم شرائطه وحدثت فضيلته ، أعني الشجاعة ، فيكون حينئذ اقدامنا على ما نقدم عليه كما يجب وبحيث يجب ، وبالمقدار الذي يجب وعلى من يجب . أمّا العجب فحقيقته ، إذا حدّدناه ، أنّه ظنّ كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير مستحقة لها وحقيق على من عرف نفسه ان يعرف كثرة العيوب والنقائص التي تعتورها ، فان الفضل مقسوم بين البشر وليس يكمل الواحد منهم الا بفضائل غيره ، وكل من كانت فضيلته عند غيره فواجب عليه ان لا يعجب بنفسه . وكذلك الافتخار فانّ الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عنا ، ومن باهى بما هو خارج عنه فقد باهى بما لا يملكه ، وكيف يملك ما هو معرض للآفات والزوال في كل ساعة وفي كل لحظة ، ولسنا على ثقة منه في شيء من الأوقات ، وأصح الأمثال وأصدقها فيه ما قال اللّه عز وجل : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ إلى قوله : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها « 1 » وقال تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ
--> ( 1 ) . سورة الكهف من الآية 32 : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً . إلى الآية 42 : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً »