أحمد بن محمد مسكويه الرازي
285
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
والسفه والبله طرفان للوسط الذي هو الحكمة . والجور والمهانة اعني الظلم والانظلام طرفان للوسط الذي هو العدالة ، فهذه أجناس الأمراض التي تقابل الفضائل التي هي صحة النفس ، وتحت هذه الأجناس أنواع لا نهاية لها . 2 - التهوّر والجبن ونبدأ بذكر التهوّر والجبن اللذين هما طرفا الشجاعة ، وهي فضيلة النفس فنقول : انّ سببهما ومبدأهما النفس الغضيبة ولذلك صارت الثلاثة بأسرها من علائق الغضب ، والغضب بالحقيقة حركة لنفس يحدث بها غليان دم القلب شهوة للانتقام ، فإذا كانت هذه الحركة عنيفة أججت نار الغضب وأضرمتها ، فاحتد غليان دم القلب وامتلأت الشرايين دخانا مظلما مضطربا يسوء منه حال العقل ويضعف فعله ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كهف ملىء حريقا وأضرم نارا فاختنق فيه اللهب والدخان وعلا التأجّج والصوت المسمى وحي النار ، فيصعب علاجه ويتعذّر إطفاؤه ويصير كل ما يدنيه للإطفاء سببا لزيادته ومادة لقوته ، لذلك يعمى الانسان عن الرشد ويصم عن الموعظة ، بل تصير المواعظ في تلك الحال سببا للزيادة في الغضب ومادة للهب والتأجج ، وليس يرجى له في تلك الحال حيلة وانما يتفاوت الناس في ذلك بحسب المزاج ، فإن كان المزاج حارا يابسا كان قريب الحال من حال الكبريت الذي إذ أدنيت منه الشرارة الضعيفة التهب ، وان كان بالضد فحاله بالضد ، وهذا في مبدأ أمره وعنفوان حركة الغضب به . فأما إذا احتدم « 1 » فيكاد الحال
--> ( 1 ) . احتدمت النار اتقدت واحتدم عليه غيظا تحرق .