أحمد بن محمد مسكويه الرازي
270
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
التي تقطع أنفاسهم ، وتفصل اعضاءهم فان ظفروا بشيء من مطالبهم كان لا محالة زائلا عن قرب أو معرضا للزوال وغير مطموع في بقائه ، لأنه من خارج وما كان خارجا عنا فهو غير ممتنع عمّا يطرقه من الحوادث التي لا تحصى كثرة ، وصاحبه مع هذه الحال الشديد الوجل دائم الإشفاق متعب الجسم والنفس ، يحفظ ما لا يجد إلى حفظه سبيلا والحذر على ما لا يغني فيه الحذر فتيلا ، وان كان طالب هذه الأشياء الخارجة عنا سلطانا أو صاحب السلطان ، تضاعفت عليه هذه المكاره اضعافا كثيرة بقدر ما يلابسه وبحسب ما يقاسيه من الاضداد والحساد على البعد ومن القرب ، وبكثرة ما يحتاج اليه من المؤن في استصلاح من يليه ويلي من يليه من مداراة من يواليه ويعاديه ، وهو في كل ذلك ملوم مستبطأ ومتعب مستقصر ، ويستزيده جميع أهله والمتصلين به ، ولا سبيل له إلى ارضاء واحد منهم فضلا عن جميعهم ، ولا يزال يبلغه عن أخص الناس به من أولاده وحرمه ، ومن يجري مجراهم من حاشيته وخوله ما يملؤه غيظا وحنقا ، « 1 » وهو غير آمن على نفسه من جهتهم مع التحاسد الذي بينهم من مكاتبة الأعداء إيّاهم ومواطأة الحساد لهم ، وكلما ازداد من الأعوان والأعضاد والأنصار زادوه في شغل القلب ، وجلبوا اليه من المكاره ما لم يكن عنده ، فهو غني عند الناس وهو أشدهم فقرا ، ومحسود وهو أكثرهم حسدا وكيف لا يكون فقيرا وحد الفقر هو كثرة الحاجة ، فأكثر الناس حاجة أشدهم فقرا ، كما أن أغنى الناس أقلهم حاجة . ولذلك حكمنا حكما صادقا بأنه تعالى أغنى الأغنياء لأنّه لا حاجة به إلى شيء
--> ( 1 ) . حنق ، حنقا منه وعليه : إغتاظ فهو حنق . الحقد الذي لا ينحل ، شدّة الإغتياظ .