أحمد بن محمد مسكويه الرازي

271

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

من الأشياء ، وحكمنا أيضا ان أعظم الملوك منّا هو أشد الناس فقرا لكثرة حاجته إلى الأشياء . ولقد صدق أبو بكر الصدّيق في خطبته حيث قال : « أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك » . ثم وصفهم فقال : « ان الملك إذا ملك زهده اللّه في ما في يده ورغبه في ما في يد غيره ، وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الاشفاق ، فهو يحسد على القليل ويتسخط بالكثير ، ويسأم الرخاء وانقطعت عنه لذة البهاء ، لا يستعمل العزة ولا يسكن إلى الثقة ، فهو كالدرهم الغش والسراب الخادع جلد الظاهر حزين الباطن ، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره ومحى ظله حاسبه فأشد حسابه وأقل عفوه . ألا ان الملوك هم المرحومون . فهذه صفة الملك إذا تمكن من ملكه لا يغادر منه شيئا » . ولقد سمعت أعظم من شاهدت من الملوك يستعيد هذا الكلام ، ثم يستعبر لموافقته ما في قلبه وصدقه عن حاله وصورته . 3 - سعادة الملوك الظاهرة ولعلّ من يرى ظاهر الملوك من الأسرة والفرش والزّينة والأثاث ، ويشاهدهم في مواكبهم محفوفين محشودين بين أيديهم الجنائب « 1 » والمراكب والعبيد والخدم والحجاب والحشم ، يروعه ذلك فيظن انهم مسرورون بما يراه لهم ! لا والذي خلقهم وكفانا شغلهم إنّهم لفي هذه الأحوال ذاهلون عما يراه العبيد لهم ، مشغولون بالأفكار التي تعتورهم وتعتريهم في ما حكيناه من ضروراتهم . وقد جربنا ذلك في اليسير مما

--> ( 1 ) . يقال : فرس طلوع الجناب ، أي : سهل الانقياد ، الجنائب ، من الجنب ، وكلّ طائع منقاد .