أحمد بن محمد مسكويه الرازي

269

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

علمه والدرس له ، فان النسيات آفة العلم ، وليتذكر قول الحسن البصري رحمة اللّه عليه : « 1 » اقدعوا هذه النفوس فإنها طائعة ، وحادثوها فإنها سريعة الدثور . واعلم انّ هذه الكلمات مع قلة حروفها كثيرة المعاني ، وهي مع ذلك فصيحة واستوفت شرط البلاغة . وليعلم أيضا حافظ هذه الصحة على نفسه انّه إنّما يحفظ عليها نعما شريفة جليلة موهوبة لها ، وكنوز عظيمة مدخرة فيها ، وملابس فاخرة مفرغة عليها ، وان من كانت هذه المواهب الجليلة موجودة له في ذاته لا يحتاج إلى تطلبها من خارج ، ولا إلى بذل الأموال فيها لغيره ، ولا يكلف العناء والمؤن الثقال [ ل ] تحصيلها ، ثم أعرض عنها وأهمل أمرها حتّى انسلخ عنها وعرى منها لملوم في فعله مغبون في رأيه ، غير رشيد ولا موفق ، لا سيما وهو يرى طالبي النعم الخارجة كيف يتجشمون الأسفار البعيدة الخطرة ، ويقطعون السبل المخوفة الوعرة ، ويتعرضون لضروب المكاره وأنواع التلف من السباع العادية ، وطبقات الأشرار الباغية ، وهم يخيّبون في أكثر الأحوال مع مقاساة هذه الأهوال ، وربما عرضت لهم الندامات المفرطة ، والحسرات المعطبة

--> ( 1 ) . الحسن البصري : ( نحو 643 - 728 م ) أبو سعيد ، أبرز الشخصيات الإسلامية في الزهد ، كان من أنبل الشخصيات الدينية في تاريخ الإسلام ، ولد في المدينة واستقر في البصرة ، وتولى القضاء بغير أجر ، وتجنب الخلفاء والولاة ، وكان يقول فيهم : « انّ سيوفهم لتسبق ألسنتنا » . فلم يكن يجد جدوى من نصحهم ، إلا عمر بن عبد العزيز ، أعدل الخلفاء بعد الراشدين ، ومن أقواله في ذمّ الدنيا : « يا ابن آدم ، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا » . ويروي الشهرستاني في الملل والنحل ، أنّه رأى رسالة نسبت إلى الحسن البصري ، كتبها إلى عبد الملك بن مروان ، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر ، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية ، واستدل فيها بآيات من الكتاب ، ودلائل من العقل . قد اختلف الحسن البصري مع واصل بن عطاء ، ثم اعتزل واصل إلى أحد أعمدة المسجد ، فقال الحسن قولته الشهيرة : اعتزل عنّا واصل . . . فسمّي واصل وأصحابه بالمعتزلة .