أحمد بن محمد مسكويه الرازي
245
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
حقيقة له « 1 » فيبذل ماله وهو بخيل ليقل هو جواد ، ويقدم في بعض المواطن على بعض المخاوف ليقال هو شجاع . واما سائر الحيوان فان اخلاقها ظاهرة للناس من أوّل الأمر لا يتصنّع فيها ، « 2 » وكذلك يكون حال من لا يعرف الحشائش والنبات ، فإنها تشتبه في عينه حتى ربما تناول منها شيئا وهو يظنه حلوا . فإذا طعمه وجده مرا ، وربما ظنه غذاء فيكون سمّا ، فينبغي لنا ان نحذر ركوب الخطر في تحصيل هذه النعمة الجليلة ، حتى لا نقع في مودة المموهين الخداعين الذين يتصورون لنا بصورة الفضلاء الأخيار ، فإذا حصّلونا في شباكهم افترسونا كما تفترس السباع أكيلتها . الف ) شروط اتخاذ الصديق والطريق إلى السلامة من هذا الخطر بحسب ما أخذناه عن سقراطيس : إذا أردنا ان نستفيد صديقا أن نسأل عنه كيف كان في صباه مع والديه ومع اخوته وعشيرته ، فإن كان صالحا معهم فارج الصلاح منه ، وإلّا فابعد منه وإيّاك وايّاه . قال : ثم اعرف بعد ذلك سيرته مع أصدقائه قبلك ، فأضفها إلى سيرته مع اخوته وآبائه ثم تتبع امره في شكر من يجب عليه شكره أو كفره النعمة ، ولست أعني بالشكر المكافأة التي ربما عجز عنها بالفعل ، ولكن ربما عطل نيته في الشكر فلا يكافيء بما يستطيع وبما يقدر عليه ، ويغتنم الجميل الذي يسدى اليه ويراه حقا له أو يتكاسل عن شكره باللسان .
--> ( 1 ) . عن الإمام علي عليه السّلام : تكلموا تعرفوا فإنّ المرء مخبوء تحت لسانه . ( 2 ) . الأسد معروف بصيد الفريسة ، حيث يسمّى « ملك الغابة » وهو الأقوى كما هو معروف ، وعن علماء الحيوان يقولون : إذا شبع الأسد من الطعام ، ووضعت أمامه غزالة ، لا يأكلها أبدا ، لأنه شبع ! لكن هل الانسان يشبعه شيء ، هل يقتنع بشيء معيّن ! ! ؟