أحمد بن محمد مسكويه الرازي
246
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وليس أحد يتعذّر عليه نشر النعمة التي تتولاه والثناء على صاحبها والاعتداد له بها ، وليس شيء أشد احتياجا للنقم من الكفر ، وحسبك ما أعده اللّه لكافر نعمته من النقم مع تعاليه عن الاستضرار بالكفر . ولا شيء مع استغنائه عن الشكر فتعرف هذا الخلق ممن تريد مؤاخاته . واحذر ان تبتلى بالكافر للنعم المستحقر لأيادي الاخوان واحسان السلطان . ثم انظر إلى ميله إلى الرّاحات وتباطئه عن الحركة التي فيها أدنى نصب ، فانّ هذا خلق رديء ويتبعه الميل إلى اللذات ، فيكون سببا للتقاعد عما يجب عليه من الحقوق . ثم انظر نظرا شافيا في محبته للذهب والفضة واستهانته بجمعهما وحرصه عليهما ، فإن كثيرا من المتعاشرين يتظاهرون بالمحبّة ويتهادون ويتناصحون ، فإذا وقعت بينهم معاملة في هذين الحجرين هرّ « 1 » بعضهم على بعض هرير الكلاب ، وخرجوا إلى ضروب العداوة . ثم انظر في محبته للرئاسة والتفريط ، فإن من أحب الغلبة والترؤس وان يفرط لا ينصفك في المودّة ولا يرضى منك بمثل ما يعطيك ويحمله الخيلاء والتيه على الاستهانة باصدقائه وطلب الترفع عليهم . وليس تتم مع ذلك مودة ولا غبطة ، ولا بد من أن تؤول الحال بينهم إلى العداوة والأحقاد والاضغان الكثيرة . ثم انظر هل هو ممن يستهزئ بالغناء واللحون وضروب اللهو واللعب وسماع المجون والمضاحيك ، فإن كان كذلك فما أشغله عن مساعدات اخوانه ومواساتهم ، وما أشد هربه عن مكافأة بإحسان واحتمال النصب ودخول تحت جميل فيه مشقة ،
--> ( 1 ) . يقال : فلان هرّه الناس ، أي : كرهوا منظره ومعاملته . وفي وجه السائل : عبس وصوت كما يهرّ الكلب . هرير الكلاب : صوت دون نباح ، الكلب إذا كشّر عن أنيابه .