أحمد بن محمد مسكويه الرازي

244

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

كنوز قارون ومن ذخائر الملوك ، ومن جميع ما يتنافس فيه أهل الأرض من الجواهر وما تحويه الدنيا برا وبحرا ، وما يتقبّلون فيه من سائر الأمتعة والأثاث ، ولا يعدل جميع ذلك ما اخترته لنفسي من فضيلة المودة » . وذلك أنّ جميع ما أحصيته لا ينفع صاحبه إذا حلّت به لوعة مصيبة في صديقه ، وفهم من الصديق ههنا انه آخر هو أنت ، سواء كان أخا من نسب أو غريبا أو ولدا أو والدا ، ولا يقوم له جميع ما في الأرض مقام صديق يثق به في مهم يساعده عليه ، وسعادة عاجلة أو آجلة تتم له فطوبى لمن أوتي هذه النعمة العظيمة وهو في خلة السلطان وأعظم طوبى لمن أوتيه من سلطان ، وذلك انّ من باشر أمور الرعيّة وأراد ان يعرف أحوالهم ، وينظر في أمورهم حق النظر ، لن يكفيه اذنان ولا عينان ولا قلب واحد ، فان وجد إخوانا ذوي ثقة وجد بهم عيونا وآذانا وقلوبا كأنها بأجمعها له ، فقربت عليه أطرافه واطلع من أدنى أمره على أقصاه ، ورأى الغائب بصورة الشاهد فأنى توجد هذه الفضيلة إلا عند الصديق ، وكيف يطمع فيها عند غير الرفيق الشفيق ؟ وإذ قد عرفنا هذه النعمة الجليلة الخطيرة فيجب علينا أن ننظر كيف نقتنيها ومن أين نطلبها ، وإذا حصلت لنا كيف نحتفظ بها لئلا يصيبنا فيها ما أصاب الرجل الذي ضرب به المثل ، حين طلب شاة سمينة فوجدها وارمة فاغتر بها وظن الورم سمنا ، فأخذه الشاعر فقال : أعيذها نظرات منك صادقة * ان تحسب الشحم في من شحمه ورم لا سيّما وقد علمنا أن الانسان من بين الحيوان يتصنع حتى يظهر للناس منه ما لا