أحمد بن محمد مسكويه الرازي
240
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
أنّ محبة المحسن للمحسن اليه أشد من محبة المحسن اليه للمحسن . واستدلّ ارسطوطاليس على ذلك بان المقرض وصانع المعروف يهتم كل واحد منهما بمن أقرضه واصطنع المعروف عنده ، ويتعاهد انهما ويحبان سلامتهما . أما المقرض فربما أحب سلامة المقرض لمكان الأخذ لا لمكان المحبة ، أعني انه يدعو له بالسلامة والبقاء وسبوغ النعمة ليصل إلى حقّه ، وأما المقرض فليس يعني كبير عناية بالمقرض ولا يدعو له بهذه الدعوات . الف ) . مصطنع المعروف وأمّا « مصطنع المعروف » فإنه بالحق الواجب يود الذي اصطنع اليه معروفه وان لم ينتظر منه منفعة ، وذلك أن كل صانع فعل جيد محمود يحب مصنوعه ، فإذا كان مصنوعه مستقيما جيدا وجب ان يكون محبوبا في الغاية ، فقد تبين أن محبة المحسن أشد من محبة المحسن اليه . وأما المحسن اليه فشهوته للاحسان أشد وأزيد من شهوة المحسن ، وأيضا فان المحبة المكتسبة بالإحسان المرباة على طول الزمان تجري مجرى القنيات « 1 » التي يتعب بتحصيلها ، فان ما يكتسب منها على سبيل التعب والنصب تكون المحبة له أشد والضن به أكثر . ومن وصل إلى المال بغير تعب لم يكترث به « 2 » ولم يشح عليه ، وبذله في غير موضعه كما يفعل الوارث ومن يجري مجراهم . وأما من وصل اليه بتعب وسافر في
--> ( 1 ) . القنيات ، أي : الإكتسابات . قنى ، يقني ، قنيا ، المال : إكتسبه والحياء : لزمه . ( 2 ) . أي : لم يهتمّ به ، لأنه حصل عليه من غير جهد وتعب .