أحمد بن محمد مسكويه الرازي
241
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
طلبه وشقي بجمعه فإنه لا محالة يكون شديد الضن به والمحبة له ، ولهذه العلة صارت الأم أكثر محبة للولد من الأب ، ويعرض لها من الحنين والوله أضعاف ما يعرض للأب . ب ) . الانسان يحب عمله : وبهذا النوع من المحبة « يحب الشاعر شعره » ويعجب به أكثر من إعجاب غيره ، وكل فاعل فعل يتعب به فهو يحب فعله . وأيضا فان المنفعل لا يتعب كتعب الفاعل ، والآخذ منفعل والمعطي فاعل ، فمن هذه الوجوه يتبين أنّ مصطنع المعروف يحب من أحسن اليه حبا شديدا ، ومن الناس من يصطنع المعروف لأجل الخير نفسه ، ومنهم من يصطنعه لأجل الذكر الجميل ، ومنهم من يصطنعه رياء فقط ، ومن البيّن ان أعلاهم مرتبة من صنعه لذاته أعني لذات الخير وصاحب هذه الرتبة لا يعدم الذكر الجميل والثناء الباقي ، ومحبة من لم يصطنع المعروف عنده وان لم يقصد ذلك بالفعل ولا بالنية ولما حكمنا في ما تقدم حكما مقبولا لا يرده أحد ، وهو ان كلّ انسان يحبّ نفسه وكانت هذه المحبة لا محالة تنقسم بالاقسام الثلاثة التي ذكرناها ، أعني اللذة والنافع والخير ، وجب من ذلك ان يكون من لا يميز بين هذه الاقسام حتى يعرف الأفضل فالأفضل منها لا يدري كيف يحسن إلى نفسه التي هي محبوبته ، فيقع في ضروب من الخطأ لجهله بالخير الحقيقي . ولذلك صار بعض الناس يختار لنفسه سيرة اللذة وبعضهم سيرة الكرامة والنافع ، لأنّهم لا يعرفون ما أفضل منها . واما من عرف سيرة الخير وعلو مرتبته فهو لا محالة يختار لنفسه أفضل السير وأكرم الخيرات ، فلا يؤثر اللذة البهيمية ولا اللذات الخارجية عن نفسه ، فإنها عرضية