أحمد بن محمد مسكويه الرازي
239
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
فإذا جذبتهم هذه القوى إلى جهات مختلفة أحدثت فيهم آلاما كثيرة ، لأنه ليس يمكن ان يفرح ويحزن معا ولا يرضى ويسخط في حال واحدة ، ولا يستطيع ان يؤلف بين الأضداد حتى تجتمع له ، فهو من شقائه يهرب من ذاته لأنها رديئة فاسدة متألّمة كثيرة الشغب عليه ، ويلتمس لعشرته ومخالطته من هو مثله أو أسوأ حالا منه ، فيجد للوقت راحة به وسكونا اليه لأجل المشاكلة ، ثم يعود بعد قليل وبالا عليه وزيادة في خباله وفساده ، فيألم به ويهرب منه فليس له محب ولا ذاته ولا له نصيح ولا نفسه ، وليس يتحصل إلا على الندامة ولا يرجع إلّا إلى الشقوة . وأما الرجل الخيّر الفاضل فان سيرته جيدة محبوبة ، فهو يحب ذاته وافعاله ويسرّ بنفسه ويسر به أيضا غيره ، ويختار كل انسان مواصلته ومصادقته فهو صديق نفسه ، والناس أصدقاؤه ، وليس يضاده إلا الشرير فقط . ويعرض لمن هذه سيرته أن يحسن إلى غيره بقصد وبغير قصد ، وذلك أن افعاله لذيذة محبوبة ، واللذيذ المحبوب مختار فيكثر المقبلون عليه والمحتفون به والآخذون عنه ، وهذا هو الاحسان الذاتي الذي يبقى ولا ينقطع ويتزايد على الأيّام ولا ينتقص . وأما الاحسان العرضي « 1 » الذي ليس بخلقي ولا هو سيرة لصاحبه فإنه ينقطع ويلحق فيه اللوم والمحبة التي تعرض منه تلحق بالمحبات اللوامة . ولذلك يوصي صاحبه بتربيته فيقال له تربية الصنعة أصعب من ابتدائها . والمحبة التي تحدث بين المحسن والمحسن اليه يكون فيها زيادة ونقصان ، أعني
--> ( 1 ) . العرضي ، أي : عارض على الانسان في مقابل الذاتي ، الذي هو في ذات الانسان وصعب التغيير .