أحمد بن محمد مسكويه الرازي
235
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
البالغة . ب ) محبة العبد لخالقه : وأما المحبّة التي لا تشوبها الانفعالات ولا تطرأ عليها الآفات ، وهي محبّة العبد لخالقه عزّ وجل ، فإنها إنما تخلص للعالم الرباني وحده خاصة ، ولا سبيل لغيره إليها الا بالدعوى الكاذبة . وكيف يجد الانسان السبيل إلى محبة من لا يعرفه ، ولا يعرف ضروب أنعامه الدارة عليه ، ووجوه احسانه المتصلة به في بدنه ونفسه ، اللّهم الا ان يصوّر في نفسه صنما ، ويظنه الخالق عزّ وجل فيحبّه ويعبده ، فان أكثر الناس كما قال اللّه تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ « 1 » ولعمري ان العامة تدعي المعرفة والمحبة وهم يتصورون شخصا وشبحا فتكون عبادتهم له دون اللّه ، وهذا هو الضلال البعيد ، ومدعو هذه المحبة كثيرون جدا والمحقون قليلون جدا ، بل هم أقل القليل . وهذه المحبة لا محالة تتصل بها الطاعة والتعظيم ويتلوها ، ويقرب منها محبة الوالدين واكرامهما واطاعتهما ، وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبّات الأخر الا « محبة الحكماء » عند تلامذتهم ، فإنها متوسطة بين المحبة الأولى والمحبة الثانية ، وذلك ان المحبة الأولى لا يبلغها شيء من المحبّات ، كما أن أسبابها لا يبلغها شيء من الأسباب والنعم التي تأتي من قبلها لا يشبهها شيء من النعم ، وأما المحبة الثانية فهي تتلوها لأنّ سببها هو السبب الثاني في وجودنا الحسي ، أعني أبداننا وكوننا .
--> ( 1 ) . يوسف / 106 .