أحمد بن محمد مسكويه الرازي
236
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ج ) محبة الحكماء : وأما « محبة الحكماء » فهي أشرف وأكرم من محبة الوالدين لأجل أن تربيتهم هي لنفوسنا ، وهم الأسباب في وجودنا الحقيقي ، وبهم وصلنا إلى السعادة التامة التي نلنا بها اللّقاء الأبدي والنعيم السرمدي في جوار رب العالمين . « 1 » فبحسب فضل أنعامهم علينا وبقدر فضل النفوس على الأبدان تجب حقوقهم وتلزم طاعتهم ومحبتهم ، وليس يبلغ أحد جزاء ولا مكافأة الأول ولا ما يستأهله الثاني ، أعني الوالدين ، وان هو اجتهد وبالغ ، ولا يؤدي حقوقهما أبدا وان خدم بأقصى طاقته وغاية وسعه . وأما « محبة طالب الحكمة للحكيم » والتلميذ الصالح للمعلم الخير ، فإنها من جنس المحبة الأولى وفي طريقها ، وذلك لأجل الخير العظيم الذي يشرف عليه ويصل اليه ، وللرجاء الكريم الذي لا يتحقق الا بعنايته ولا يتم الا بمطالعته ، ولأنه والد روحاني ورب بشري وإحسانه إحسان الهي . وذلك أنه يربّيه بالفضيلة التامّة ويغذوه بالحكمة البالغة ، ويسوقه إلى الحياة الأبدية في النعيم السرمدي ، وإذا كان هو السبب في كل وجودنا العقلي وهو المربّي لنفوسنا الروحانية ، « 2 » فبحسب فضل النفس على البدن يجب ان يفضل المنعم بهذا على المنعم بذاك ، وبقدر فضلها على البدن يكون فضل التربية على التربية ، فيحق أن يحب التمليذ معلم الحكمة محبة خالصة شبيهة بالمحبة الأولى . ولذلك قلنا انّ هذه المحبة من جنس تلك المحبة الأولى ، والطاعة له من جنس تلك الطاعة ، وكذلك تعظيمه له واجلاله إياه . ثم لما كان
--> ( 1 ) . عن الإمام علي عليه السّلام : « من علمني حرفا فقد صيّرني عبدا » . ( 2 ) . مثل حكيم يقول : « لولا المربّي ، ما عرفت ربّي » .