أحمد بن محمد مسكويه الرازي

234

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

بعينه . ويجب أن تكون نسبة الملك إلى رعيّته نسبة ابويّة ونسبة رعيته اليه نسبة بنويّة ، ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخويّة حتى تكون السياسات محفوظة على شرائطها الصحيحة . وذلك ان مراعاة الملك لرعيته هي مراعاة الأب لأولاده ، ومعاملته إيّاهم تلك المعاملة . وقد كنا أشرنا إلى ذلك وسنزيده بيانا إذا صرنا إلى ذكر سياسة الملك في موضع آخر ، وعنايته برعيّته يجب أن تكون مثل عناية الأب بأولاده ، شفقة وتحنّنا وتعهّدا وتعطّفا خلافة لصاحب الشريعة صلّى اللّه عليه وآله ، بل لمشرّع الشريعة تعالى ذكره في الرأفة والرحمة ، وطلب المصالح لهم ودفع المكاره عنهم وحفظ النظام فيهم ، وبالجملة في كلّ ما يجلب الخير يمنع الشر . فإنه عند ذلك تحبّه رعيّته محبّة الأولاد للأب الشفيق ، وتحدث بينهما تلك النسبة ، وانما تختلف هذه المحبّات بالتفاضل الذي يكون بعظم المنافع ، فيجب ان يكرم الأب كرامة أبوية ويكرم السلطان كرامة سلطانية ؛ ويكرم الناس بعضهم بعضا كرامة أخويّة . ولكل مرتبة من هذه استئهال « 1 » خاص بها واستحقاق واجب لها ، فإذا لم يحفظ بالعدالة زاد ونقص وعرض لها الفساد ، وانتقلت الرياسات وانعكست الأمور ، فيعرض لرياسة الملك أن تنتقل إلى رياسة التغلّب ، ويتبع ذلك ان تنتقل محبة الرعية إلى البغض له ، ويعرض لرياسات من دونه مثل ذلك ، فتصير محبة الأخيار إلى تباغض الأشرار وتعود الألفة نفارا والتودد نفاقا ، ويطلب كل أحد لنفسه ما يظنه خيرا له وان أضر بغيره ، وتبطل الصداقات والخير المشترك بين الناس ، ويؤول الأمر إلى الهرج الذي هو ضد النظام الذي رتبه اللّه لخلقه ورسمه بالشريعة وأوجبه بالحكمة

--> ( 1 ) . أي : ما هو أهل لها ، متأهل لهذه المرتبة .