أحمد بن محمد مسكويه الرازي

231

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

سبب إحدى المحبتين ويثبت الآخر ، وأيضا فإن بين الرجل وبين زوجته خيرات مشتركة ومنافع مختلطة ، وهما يتعاونان عليها أعني الخيرات الخارجة عنا ، وهي الأسباب التي تعمّر بها المنازل ، فالمرأة تنتظر من زوجها تلك الخيرات ، لأنه هو الذي يكتسبها ويحضرها . وأما الرجل فانّه ينتظر من زوجته ضبط تلك الخيرات ، لأنها هي التي تحفظها وتدبرها لتثمر ولا تضيع . فمتى قصّر أحدهما اختلفت المحبّة وحدثت الشكايات ، ولا تزال كذلك إلى أن تنقطع أو تبقى مع الشكايات والملامة . وكذلك حال المنفعة المشتركة بين الناس إذا كانت واحدة بعينها . وأمّا المحبّات المختلفة التي أسبابها مختلفة فهي أولى بسرعة التحلل . ومثال ذلك أن تكون محبة أحد المتحابّين لأجل المنفعة ، ومحبّة الآخر لأجل اللذة كما يعرض ذلك للمعاشرين ، على أن أحدهما مغن والآخر مستمع ، فان المغني منهما يحب المستمع لأجل المنفعة . والمستمع منهما يحب المغني لأجل اللذة . وكما يعرض أيضا بين العاشق والمعشوق اللذين أحدهما يلتذّ بالنظر ، والآخر ينتظر المنفعة وهذا الصنف من المحبة يعرض فيه ابدا التشاكي والتظلّم ، وذلك ان طالب اللذة يتعجل مطلوبه وطالب المنفعة يتأخّر عنه وليس يكاد يعتدل الامر بينهما : ولذلك ترى العاشق يشكو معشوقه ويتظلّم منه ، وهو بالحقيقة ظالم ينبغي ان يشتكى لأنه يتعجل لذته بالنظر ، ولا يرى المكافأة بما يستحق صاحبه . « والمحبّة اللّوامة » كثيرة الأنواع ، إلا أنّ الأصل فيها ما ذكرت ، ويوشك أن تكون المحبة بين الرئيس والمرؤوس والغني والفقير تعرض لها الملامة والتوبيخ ، لأجل اختلاف الأسباب ، ولأنّ كل واحد ينتظر من المكافأة عند الآخر ما لا يجده عنده ، فيقع فساد في النيات بينهما ثم استبطاء ثم ملامات . ويزيل ذلك طلب العدالة