أحمد بن محمد مسكويه الرازي
232
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
ورضى كل واحد بما يستحقه من الآخر ، وبذل كل واحد للآخر العدل المبسوط بينهما والمماليك خاصة لا يرضيهم من مواليهم « 1 » إلا الزيادة الكثيرة في الاستحقاق ، وكذلك الموالي يستبطئون « 2 » العبيد في الخدمة والشفقة والنصيحة ، وفي جميع ذلك يقع اللوم وفساد الضمير ، فهذه المحبة اللوامة لا تكاد تخلو منها الا على شريطة العدل وطلب الوسط من الاستحقاق والرضا به وهو صعب . واما « محبة الأخيار » بعضهم بعضا فإنها لا تكون للذّة خارجة ولا لمنفعة ، بل للمناسبة الجوهريّة بينهما ، وهي قصد الخير والتماس الفضيلة فإذا أحبّ أحدهم الآخر لهذه المناسبة لم تكن بينهم مخالفة ولا منازعة ، ونصح بعضهم بعضا وتلاقوا بالعدالة والتساوي في إرادة الخير ، وهذا التساوي في النصيحة وإرادة الخير هو الذي يوحّد كثرتهم . ولهذا حدّ الصديق بأنه آخر هو أنت إلّا أنّه غيرك بالشخص ، ولهذا صار عزيز الوجود ولم يوثق بصداقة الاحداث والعوام ، ومن ليس بحكيم ، لأنّ هؤلاء يحبون ويصادقون لأجل اللذة والمنفعة ، ولا يعرفون الخير بالحقيقة واغراضهم غير صحيحة . واما السلاطين فإنهم يظهرون الصداقة على أنهم متفضلون ومحسنون إلى من يصادقهم ، فليس يدخلون تحت الحدّ الذي ذكرناه ، وفي صداقتهم زيادة ونقصان ، والمساواة عزيزة الوجود عندهم . وكذلك « محبة الوالد » للولد والولد للوالد لأن أنواع هذه المحبة مختلفة وأسبابها أيضا مختلفة كما قلنا ، إلّا أنّ محبة الوالد للولد والولد للوالد ، وان كان بينهما اختلاف
--> ( 1 ) . أي : العبيد المملوك . ( 2 ) . أي : يعملون ببطىء .