أحمد بن محمد مسكويه الرازي
230
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وقد قال حكيم الفرس وملكهم أردشير : « 1 » انّ الدين والملك أخوان توأمان لا يتمّ أحدهما الا بالآخر ، فالدين أسّ والملك حارس ، وكلّ ما لا أسّ له فمهدوم ، وكل ما لا حارس له فضائع . ولذلك حكمنا على الحارس الذي نصب للدين ان يتيقظ في موضعه ويحكم صناعته ، ولا يباشر أمره بالهوينا ولا يشتغل بلذة تخصه ، ولا يطلب الكرامة والغلبة الا من وجهها ، فإنه متى أغفل شيئا من حدوده دخل عليه من هناك الخلل والوهن . وحينئذ تتبدّل أوضاع الدين ويجد الناس رخصة في شهواتهم ، ويكثر من يساعدهم فتنقلب هيئة السعادة إلى ضدّها ، ويحدث بينهم الاختلاف والتباغض ، فأدّاهم ذلك إلى الشتات والفرقة وبطل الغرض الشريف . وانتقض النظام الذي طلبه صاحب الشرع بالأوضاع الإلهية ، فاحتيج حينئذ إلى تجديد الأمر واستئناف التدبير وطلب الإمام الحقّ والملك العدل . ونعود إلى ذكر أجناس المحبّات وأسبابها فنقول : ان هذه الأسباب كلها ما خلا المحبة الإلهيّة إذا كانت مشتركة بين المتحابين وواحدا بعينه ، جاز في الشيئين أن ينعقدا معا ، وجاز أيضا ان يبقى أحدهما وينحل الآخر . مثال ذلك ان اللذات المشتركة بين الرجل والمرأة هي سبب « للمحبّة بينهما » ، فقد يجوز أن تجتمع المحبّتان لأنّ السبب واحد وهي اللّذة ، وقد يجوز ان تنقطع إحداهما وتبقى الأخرى ، وذلك ان اللّذة تتغيّر ولا تكاد تثبت كما تقدم وصفها ؛ فقد يجوز ان يتغير
--> ( 1 ) . أردشير الأول ) 1 - RIHSADRA ( ازدهر في منتصف القرن الثالث للميلاد . ملك فارس 224 - 241 م ، مؤسس الأمبراطورية الساسانيّة . انتصر على البارثين انتصارا حاسما عام 224 م . وأطاح بأمبراطوريتهم . بني عددا من المدن وعني بحفر القنوات وإقامة الجسور . جعل الزرادشتيّة دين الدولة الرسمي .